ويقرب إلينا ابن القيم فهم هذا القلب الذي هو الإنسان على الحقيقة فيصوره في شكل ملك عظيم جالسًا على سرير مملكته، يأمر، وينهي، ويولي، ويعزل، وقد حف به الأمراء والوزراء والجند، كلهم في خدمته، وإن استقام استقاموا وإن زاغ زاغوا، وإن جنح جنحوا، وإن فسد فسدوا، فعليه المعول، وهو محك نظر الرب تعالى، ومحل معرفته ومحبته وخشيته، والتوكل عليه، والإنابة إليه، والرضى به، وعنه، والعبودية عليه أولًا وعلى رعيته وجنده تبعًا.
ولما خلق القلب للسفر إلى الله والدار الآخرة وحصل في هذا العالم ليتزود منه، افتقر إلى المركب والزاد لسفره الذي خلق لأجله. فأعين بالأعضاء والقوى وسخرت له، وأقيمت له في خدمته لتجلب له ما يوافقه من الغذاء والمنافع ويدفع عنه ما يضره ويهلكه.
لذلك احتاج القلب إلى جنديين:
باطن: وهو الإرادة والشهوة والقوى.
ظاهر: وهو الأعضاء أي آلة الإرادة.
وعلى ضوء حقيقة ابتلاء الإنسان في الدنيا بالشهوة والغضب والشيطان فإن الله تعالى أعانه عليها بجند من الملائكة. بل ما ابتلى بصفة من الصفات إلا وجعل لها مصرفًا ومحلًا ينفذها فيه: فبإزاء الحسد جعل له المنافسة في فعل الخير والغبطة عليه والمسابقة إليه.
وبإزاء الكبر جعل له التكبر على أعداء الله تعالى وإهانتهم، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن رآه يختال بين الصفين في الحرب (( إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن ) ).
وهكذا جعل لكل أحاسيس النفس وإرادات القلب مصارف ومواضع تستعملها بأعمال الحلال.