الصفحة 183 من 253

ولتتضح لنا محنة الإنسان فإن الشيخ يلجأ كدأبه إلى القرآن الكريم ليستخرج منه المكونات المادية والروحية للإنسان، فيعود بنا إلى خلقه ونشأته.

خلق الإنسان ونشأته:

إن لفظ"الإنسان"في القرآن لا يقصد شخص معين كأبي جهل أو غيره كما يقول كثير من المفسرين في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ} [الانشقاق: 6] ؛ لأن القرآن أجل من ذلك، بل الإنسان هو الإنسان من حيث هو من غير اختصاص بواحد بعينه، أي أنه الإنسان المشخص الواقعي الذي يجده الفرد منا في ذاته وفي غيره، لا إنسان عصر بعينه ولا قارة ولا بلد ولا الإنسان المطلق الذي يتصوره الفلاسفة عادة.

ولهذا فإنه يتتبع السور والآيات التي ذكر فيها الإنسان بالكتاب الكريم وساعدته حصيلته الوفيرة من المعرفة بالتفسير، واطلاعه على الحديث ومعلوماته الوفيرة في علوم ومعارف عصره، كل هذا شكل منها نظرته لحقيقة الإنسان سواء بتتبع خلق آدم عليه السلام، أو بما اشتملت عليه الطيعة الإنسانية من خير وشر والصراع الدائب بينهما أخذ يبحث في أصل الخلق الأول من المادة - وهي التراب - والروح، فأصبح الإنسان مضطرًا إلى نوعين من الحياة، حياة بدنه وحياة قلبه وعني أكثر بحياة القلب وما يملأه من معرفة الله تعالى به، وهي معرفة فطرية.

وعندما فضله الله تعالى على باقي المخلوقات وخصه بالخلافة وأمر الملائكة بالسجود ففعلوا إلا إبليس أصبح الصراع بينهما دائرًا في الحياة الدنيا، وهي مرحلة انتقال، تتم بها دورة الإنسان ليعود في النهاية إلى المصير المحتوم، فالناس منذ خلقوا لم يزالوا مسافرين، وليس لهم حظ عن رحالهم إلا في الجنة أو النار.

ومن هنا كان من الضروري لبني آدم من يرشدهم - وهم الرسل والأنبياء - المكلفين بمهام علمية وتشريعية وأخلاقية، وخاتمهم محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي بعث هاديًا وداعيًا إلى الله وإلى جنته، ومعرقا بالله ومبينًا للأمة مواقع رضاه، وآمرًا لهم بها ومواقع سخطه وناهيًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت