الصفحة 29 من 253

غير أنه لما كانت الفضيلة العملية يمكن أن تتناول حياة الإنسان في نفسه وفي مختلف علائقه مع الخلق ومع الرب، كان القانون الأخلاقي الكامل هو الذي يرسم طريق المعاملة الإلهية كما يرسم طريق المعاملة الإنسانية. وكذلك لما كانت الفكرة الدينية الناضجة هي التي لا تجعل من الألوهية مبدأ تدبير فعال فحسب، بل مصدر حكم وتشريع في الوقت نفسه، كان القانون الديني الكامل هو الذي لا يقف عند وصفه الحقائق العليا النظرية وإغراء النفس بحبها وتقديسها، بل يمتد إلى وجوه النشاط المختلفة في الحياة العملية فيضع لها المنهاج السوي الذي يجب أن يسير عليه الفرد والجماعة. وهكذا يصل القانون الديني إذا استكمل عناصره إلى بسط جناحيه على علم الأخلاق كله، بل على سائر القوانين المنظمة لعلاقات الأفراد والشعوب بحيث يجعلها جزءً متممًا لحقيقته ويصبغ كل قواعدها بصبغته القدسية [1] .

والعقيدة باعتبارها المصدر الرئيسي للإحساس بقدسية القوانين الأخلاقية هي أكبر دافع يدفع الإنسان إلى الأعمال الإيجابية الخيرة وأقوى رادع يكفه عن اتباع الهوى [2] .

وبذلك يظهر تفوق العقيدة الدينية في الحياة الإنسانية إذا قورنت بالقانون، ذلك لأن القانون لا يكفي وحده لضبط السلوك الإنساني. ويذهب الفيلسوف الألماني فيخته إلى أن الأخلاق من غير دين عبث، وبالمثل يضع غاندي الدين ومكارم الأخلاق في مرتبة واحدة لا يقبلان الانفصال، بل يرى أن الدين يغذي الأخلاق وينميها وينعشها كما أن الماء يغذي الزرع وينميه.

ولا نذهب بعيدًا إذا استشهدنا بنتائج التحقيق الذي أجراه القاضي البريطاني ديننج في فضيحة الوزير البريطاني وكريستين كيلر حيث مكث نحو ثلاثة شهور يحقق في هذا القضية قابل خلالها 180 رجلًا وامرأة وعكف يدرس القضية بمنظار الباحث المدقق، فخرج منها بنتيجة مهمة

(1) الدين: دراز 55 - 56.

(2) الاتجاه الأخلاقي: المقداد يالجن، ص 123.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت