الصفحة 32 من 253

بعضها وبقي بعض في الإناء، فقال بالإناء تحت شفته العليا كما يفعل الحجام، ثم صبوا في باطيتهم فقالوا:"انتهينا ربنا" [1] .

كذلك ضرب النساء المسلمات المثل في التصديق لكتاب الله والإيمان بالتتريل، إذ لما نزلت في سورة النور {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ} [النور: 31] ، انقلب رجال الأنصار إلى نسائهن يتلون عليهن ما أنزل الله إليهم منها، يتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته وعلى كل ذات قرابة فما منهم امرأة إلا قامت إلى مرطها المرحل فاعتجرت به تصديقًا وإيمانًا بما أنزل الله من كتاب، فأصبحن وراء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كأن على رءوسهن الغربان [2] .

وما أحوجنا إذا أردنا استعادة أمجادنا من جديد إلى الانقياد لأوامر شرع الله تعالى كما فعلت أجيال المسلمين من قبل إبان ازدهار حضارتنا الإسلامية، لا سيما إذا علمنا - كما بينا توًا - أن الأخلاق هي الركن المكين للحضارات والأمم.

الأخلاق والحضارة:

عندئذ تأتي مناسبة طرح الصلة بين الأخلاق والحضارة، بادئين بتحليل آراء أحد الفلاسفة الذين تخصصوا في قضية الحضارة وهو ألبرت شفيتزر فيعرف الحضارة بأنها (( بذل الجهود بوصفنا كائنات إنسانية من أجل تكميل النوع الإنساني وتحقيق التقدم .. على أن نهب العالم والحياة معنى حقيقيًا"."

(1) تفسير ابن كثير ج 3 ص 17 ط دار الشعب بالقاهرة.

وأن ذلك من العناد الذي قوبل به قانون تحريم الخمر في أمريكا حتى اضطرت حكومتها إلى إلغائه عام 1933 بعد أن أنفقت 60 مليون دولار على التوعية بمضارها ومفاسدها، وبلغ ما تحملته الدولة في سبيل تنفيذ القانون في مدة أربعة عشر عامًا ما لا يقل عن 250 مليون جنيه، وقد أعدم فيها: 30 نفس وسجن نحو خمسمائة ألف فرد، وصودرت أملاك ما يقرب من 400 مليون وأربعة ملايين جنيه (تعليقه رقم 1 من كتاب ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين للندوي ص 80) .

(2) رواه أبو داود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت