وقد أقام السوفسطائيون المعرفة أيضًا على الإحساس، وذهب زعيمهم بروتاجوراس إلى القول بأن الفرد هو مقياس الأشياء جميعًا، وبذا تتعدد الحقائق بتعدد مدركيها وامتنع وجود حق أو باطل في ذاته [1] .
ولئن كانت هذه النظرية في المعرفة، إلا أنهم مدوا أثرها إلى مجال الأخلاق وأصبحت القيم والمبادئ الخلقية - تبعًا لذلك - نسبية تتغير كما قلنا بتغير الزمان والمكان. لقد أطاحوا بالحقائق الثابتة في مجال المعرفة وأبطلوا القول بالمبادئ المطلقة في مجال الأخلاق [2] .
"ورأى سقراط لزامًا عليه أن يهدم نظريتهم في المعرفة أولًا، لأنها أساس البناء الأخلاقي لهم، فأقام الحقائق الثابتة على العقل في ميدان المعركة بعد فصله بين موضوع العقل وموضوع الحس، وأصبح يرى أن الإنسان له عقل وجسم، فإن قوة عقله هي التي تسيطر على دوافع الحس ونزواته، مثبتًا أنه إذا كانت قوانين الأخلاق تتعارض مع الجانب الحيواني في طبيعتنا، فإنها تتمشى مع طبيعتنا الإنسانية العاقلة" [3] .
والقوانين العادلة تصدر عن العقل، وبعدها صورة مطابقة للقوانين الغير المكتوبة التي رسمها الآلهة في قلوب البشر، فالذي يحترم هذه القوانين فإنه يحترم العقل والنظام الإلهي أيضًا، وحتى إذا احتال البعض لمخالفتها تفاديًا للعقاب الذي قد يتعرض له في الدنيا، إلا أنه سيؤخذ بالقصاص لا محالة في الحياة المقبلة.
وأطلق سقراط عبارته المشهورة"الفضيلة علم والرذيلة جهل"، لأنه يرى أن الإنسان يريد الخير دائمًا ويهرب من الشر بالضرورة،"فمن تبين ماهيته وعرف خيره بما هو إنسان أراده حتمًا، أما الشهواني فرجل جهل نفسه وخيره، ولا يعقل أنه يرتكب الشر عمدًا" [4] .
(1) الفلسفة الخلقية: توفيق الطويل ص 23.
(2) نفسه ص 44.
(3) تاريخ الفلسفة اليونانية، يوسف كرم ص 53.
(4) تاريخ الفكر الفلسفي. د. أبو ريان ص 125 ط الدار القومية سنة 1965.