فهرس الكتاب

الصفحة 117 من 676

تفرع العلم وتشعب وانقسم وتعدد، إلا أنه يمكن إدراج العلم تحت قسمين رئيسين هما: علم الشريعة والدين وعلم الطبيعة والتجريب، وتجاذب هذان العلمان البشر على مر العصور، فيأخذون من هذا ويأخذون من ذاك، ويشتغلون بهما أو بأحدهما، وفي العصور الماضيات كانت علوم الشرائع والأديان هي المقدمات لدى الأمم، وأهلها من الأحبار والعلماء هم خواص الملوك وجلساءهم، وهم أهل الرأي والمشورة فيهم، وبقدر قرب الولاة والعلماء يكون قرب الأمة من شريعتها، وبقدر تباعدهم يكون بعد الأمة عن شريعتها، وقد تجلى هذا التقارب والتمازج في القرون الأولى من عمر أمة الإسلام، فهديت ورشدت وتبعت تلك النهضة الدينية نهضة دنيوية، تطورت على إثر ذلك علوم تجريبية كثيرة، ويكاد يكون هذا الأمر مضطردا، إذ كل نهضة دينية راشدة في تاريخ

الإسلام تعقبنها نهضة دنيوية، وقد نتلمس ذلك في إشارات من القرآن العزيز {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ ... (96) } [1] .

أيها المسلمون: في القرن الماضي وفي أواخر الذي قبله فتح على البشر من علوم الدنيا ما لم يعهد في أسلافهم، وتفجرت المعرفة والاكتشافات، وأورثت تلك العلوم والمعارف تفوقًا سياسيًا وصناعيًا رافقه نتاج فكري وأدبي غزير، نقلت البشر إلى حال من الرفاهية جديد وسيدت تلك العلوم أربابها، ومكنتهم من بسط نفوذهم على كثير من البلاد احتلالًا واستعمارًا، وأدرك المغلوبين ما يدرك المهزوم عادة مما قرره أهل التاريخ والاجتماع، من أن المغلوب مولع أبدًا بتقليد الغالب في شعاره وزيه ونحلته وعوائده، وسائر أحواله، وكان الظهور هذه المرة لغير المسلمين في زمن ضعفهم في أمور دينهم ودنياهم، وأصيب كثير من المسلمين هذه المرة ليس في أجسادهم وأبشارهم وإنما في قناعاتهم وذواتهم، وعندما تصاب أمة من الأمم بهذا المرض المدمر وهو فقدان الذات، فإن أبرز أعراضه يتمثل في الانبهار القاتل بالأمم الأخرى، والاستمداد غير الواعي من منهاجهم ونظمها وقيمها.

(1) سورة الأعراف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت