ولما كان الغالب قد نح الدين والتدين وهمش علوم الشرائع والأديان، وهو من شأن رجاله وعلماءه، سرت هذه العدوى إلى كثير من بلاد المسلمين، والتي كانت ترزح تحت نيل المستعمر، -ونج الله هذه البلاد المقدسة فلم تطلها يد الاستعمار- وعندما قررت كثير من البلاد الإسلامية ذلك الحين مناهجها الدراسية، وأنشأت معاهدها وأقسامها الجامعية، كان نصيب علوم الشريعة الإسلامية منها ضئيلًا، وحظ شباب المسلمين منها قليلًا، ومع هذه القلة فإن تلك العلوم الإسلامية في كثير من تلك المدارس لم يكن يشترط فيها النجاح لتجاوز المرحلة الدراسية، فنشأت أجيال من المسلمين مبتوتة الصلة بتاريخها، قليلة العلم بأحكام دينها، يعرفون من تاريخ الغرب أكثر مما يعرفون من تاريخ بلادهم، ويعلمون من سير قادة المستعمر وعلماءه ما لا يعرفونه عن عظماء قومهم، أما علمهم بأمور دينهم فإن هذا مما يشكى إلى الله.
إلا أنه لم تخل بلاد الإسلام من معاقل لعلم الشريعة جاهدت ذك الحين جهادا عم أثره، وحفظ الله به علم الشريعة وعلماءه، منها أزهر مصر ومحاضن للعلم في هذه البلاد الطاهرة، كانت نواة لجامعات إسلامية نفع الله بها عموم المسلمين، تمحضت لتدريس علوم الشريعة، وأمها طلبة العلم من أقطار شتى، مع حلق العلم في المساجد ومعاهد في بلاد أخرى للمسلمين.
وبعد أيها المسلمين: ما سبق من عرض لا يعني أبدا التهوين من علوم الطبيعة والتجريب، ولا الغض من فنون تخدم أغراضًا دنيوية بحتة، فإن العلوم التي تصلح بها دينا الناس ومعاشهم قد يدخل تعلم بعضها وتعليمه في الواجب الكفائي، ولكن المؤسف المحزن أن تجلي طرفك في عموم بلاد المسلمين فترى انحسارًا وضعفًا في الاهتمام بعلم الشريعة، وأن ترى تعليق القبول في معاهدها وجامعتها بحاجة سوق العمل أو الوفرة الوظيفية، كأن علم الشريعة لبناء الدنيا، كما تأسى أن تزاحم أروقة الجامعات الإسلامية الرائدة في العالم الإسلامي بتخصصات علمية، كأن اضطلاعها بتدريس علوم الشريعة ليست مهمة كافية تحشد لها الطاقات وتوفر لها كل الاهتمامات، أو كأن الجامعات الشرعية لا توصف بأنها متطورة أو متقدمة إلا بتبنيها لعلوم تزاحم علوم