أيها المسلمون: في هذه الأيام المباركة تستقبل مكة وفود الحجيج ويحتضن المسجد الحرام ضيوف الرحمن في مواكب مهيبة تجللهم عناية الله .. جاءوا من كل فجٍّ عميقٍ يلبُّون نداء ربهم ويجيبون أذان خليله: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ (28) } [1] .
جاء الحجاج يحفُّون المطايا يسابقهم الشوق ويحدوهم الأمل .. يغمرهم الفرح وهم في مسيرهم إلى بيت الله المعظم طامعين في تكفير الخطايا وبلوغ الجنان يؤدون الركن الخامس من أركان دينهم في أقدس بقعةٍ على وجه الأرض ..
مكة المكرمة تاريخٌ وذكريات سيرةٌ ومسيرة: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا (97) } [2] .
إليه حَجَّ الأنبياء وصلَّى إمام الحنفاء .. من مكة شعَّ نور الهدى وانطلقت رسالة التوحيد حتى عمَّت أرجاء الأرض وغيرت العالم وأرست أجمل وأعظم حضارة عرفها التاريخ .. مكة مركز العالم ورمز وحدة المسلمين ومصدر النور للعالمين .. أفضل البقاع عند الله وأحب البقاع عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
مكة المكرمة (أم القرى) بها ميلاد أشرف الورى .. على رباها نشأ وترعرع وفي أرجائها مشى وما تضعضع .. نصف قرنٍ من الزمان شهدت حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - في مكة؛ فأيُّ شرفٍ يعلو هذا الشرف، ولو نطقت هذي الربى فأي سيرة ستذكر وأي تاريخ ستسرد ..
في هذه البقاع نزل جبريل - عليه السلام - بالوحي، وصدع النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتوحيد من (جبل الصفا) ..
(1) سورة الحج
(2) سورة آل عمران