الله لنأخذ به لا لنتحيَّل عليه أو نتهرب منه؛ إذ مقصد وجودنا هو تحقيق هذه العبودية لله: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) } [1] ... .
وعبادة الله - تعالى - تتمثل في توحيده وطاعته وامتثال حكمه في أمره ونهيه .. وهل الطاعة إلا في الحلال والحرام؟
أيها المسلمون: الحاكم بالحلال والحرام هو الله - تعالى - ونعرف حكم الله من كتابه وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - بفهم الصحابة - رضي الله عنهم - لا بالهوى والتشفي، وإن الله - تعالى - اصطفى من هذه الأمة من حمل الشريعة خالصة نقية كما جاء بها المصطفى المعصوم - صلى الله عليه وسلم - وجعل اتباعهم سنة وهدى وترسُّم آثارهم سلامة ورشدا، وأول أولئك وأولاهم هم صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهم الذين شهدوا التنزيل وعلموا التأويل، وهم أعلم بمراد الله ومراد رسوله ..
يليهم علماء راسخون وأعلام بالسنة قائمون .. أذابوا عمر الشباب وشطرا من سن الكهولة في حِلَق العلم والتعلم .. ثنيا للركب في النهار ومجافاة للنوم في الليل، يقطعونه بحثا واطلاعا وحفظا وتفقها .. يصاحب ذلك خشية تجلل الأفئدة وتقوى تعمر القلوب، ناهيك عن رحلاتهم لفجاج الأرض تحصيلا للعلم واستقصاء في الطلب، ثم بعد ذلك كله لا يتصدى أحدهم للفتيا في مسألة من دين الله إلا بعد أن يشهد مائة من أهل العلم أنه بذلك أهل ..
وبهؤلاء حُفِظَت الشريعة واستقامت الملة، واجتازوا بها قرونا من الكيد والعداء كما يجتاز المركب لجج البحر وعواصفه حتى وصلت إلينا الشريعة بعد خمسة عشر قرنا بيضاء نقية.
عباد الله: وفي هذه السنوات المتأخرة ظهرت بادرة تنباء بالشر وتفتح باب السوء بكثرة المتسولين على حمى الشريعة بالخوض والتخوض في دين الله بلا ورع وازع ولا خوف
(1) سورة الذاريات