فهرس الكتاب
والابتلاء، حافلٌ بالعوائق والمُحبِطات، والصوارِف والعقبات، ناحَ لأجله نوح، ورُمِي في النار الخليل، وأُضجِعَ للذبح إسماعيل، وبِيعَ يوسف بثمنٍ بخسٍ ولبِثَ في السجن بِضع سنين، ونُشِر بالمنشار زكريا، وذُبِح السيدُ الحصورُ يحيى، وقاسَى الضُّرَّ أيوب، ولاقَى محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - من ألوان الأذى ما لاقَى؛ أوذِيَ وكُذِّب، وطُرِدَ وقُوتِل، ومات من يُناصِره ويُؤازِرُه، حتى سُمِّي ذلك العام: عام الحُزن.
بل رُمِي - صلى الله عليه وسلم - في عِرْضِه، لم تصفُ له الحياة من الكَدْر والتعب، ومع ذلك يتجدَّد نشاطُه في نشر رسالة ربه، والتبشير بها، وهو صابرٌ مُحتسِب، وبقِيَ في كل الأحوال النبيَّ الناصحَ، والرسولَ المُبلِّغ، والمُعلِّمَ الرحيمَ، {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ (21) } [1] .
فالأمر الذي تُندَبون له أمرٌ عظيمٌ، ومن قبلكم مرَّ الأنبياءُ بالشدائد والصِّعاب.
أيها المسلمون:
والعلماء هم ورثةُ الأنبياء، فلا بُدَّ أن يأخذوا نصيبَهم من هذا الميراث، ولا بُدَّ أن يُصيبَه ما أصابَ مُورِّثيهم من ألوان الأذى، هذا هو الأمرُ المُطَّرِدُ في كل دعوة، ومع أتباع الأنبياء في كل شِرْعة.
ولقد ضربَ الله لنا المثلَ بالربانيين من أتباع الأنبياء قبلَنا ليربطنا نحن المؤمنين بموكِب الإيمان، ويُقرِّر قرابةَ المؤمنين للمؤمنين، ويُقِرَّ في أخلادهم أن أمر العقيدة كله واحد، ويُعلِّمنا أدبَ الربانيين مع الله وهم يُعانون في سبيله ما يُعانون، فقال - عز وجل: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا (146) } [2] ... ما ضعُفَت نفوسهم لما أصابَهم من البلاء والكرب والشدة والجِراح، وما ضعُفت قواهم عن الاستمرار في الكفاح، وما استسلموا للجزع ولا للأعداء.
هذا هو شأن المؤمنين المُنافِحين عن العقيدة والدين، والله يحبُّ الصابرين، هنيئًا للصابرين في ميادين الدعوة والإصلاح الذين لا تضعُف نفوسهم، ولا تتضعضَعُ قواهم، ولا تلينُ عزائمُهم، ولا يستكينون أو يستسلمون، ولا يتهرَّبون من الميدان، ولا يتخلَّون عن المهمة
(1) سورة الأحزاب
(2) سورة آل عمران