فهرس الكتاب

الصفحة 375 من 676

، هنيئًا لهم محبة ربهم، إنها المحبة التي تأسو الجِراح، وتمسح على القَرْح، وتُعوِّضُ عن كل ما يُصيبهم في هذا الطريق.

إن الربانيين من أتباع الرسل قبلنا لم يطلبوا مقابل دعوتهم وجهادهم وصبرهم نعمةً ولا ثراءً؛ بل لم يطلبوا ثوابًا ولا جزاءً، لم يطلبوا ثواب الدنيا، لقد كانوا أكثر أدبًا مع الله وهم يتوجَّهون إليه بينما هم يجاهدون في سبيله، {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) } [1] .

فلم يطلبوا منه - سبحانه - إلا غُفران الذنوب، وتثبيت الأقدام، والنصر على الكافرين، حتى النصر لا يطلبونه لأنفسهم إنما يطلبونه هزيمةً للكفر وعقوبةً للكافرين.

وهؤلاء الذين لم يطلبوا لأنفسهم شيئًا أعطاهم الله من عنده كل شيء، أعطاهم كل ما يتمنَّاه طلاَّبُ الدنيا وزيادة، وأعطاهم كذلك كل ما يتمنَّاه طلاَّبُ الآخرة ويرجونه، {فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (148) } [2] ... شهِد لهم - سبحانه - بالإحسان؛ فقد أحسَنوا الأدب وأحسَنوا الجهاد، وأعلنَ حبَّه لهم، وهو أكبر نعمةٍ وأكثر ثواب.

أيها المؤمنون:

هؤلاء هم الربانيون، وهذه أخلاقُهم أمام الابتلاء، لذلك أضافهم الله إلى نفسَه، ونسبَهم إلى ربوبيته، فأكرِم بها من نسبةٍ، وأعظِم بها من إضافة.

عباد الله:

ولقد دعاكم ربُّكم إلى أن تهتدوا بهديِ من سبقكم من الربانيين، وأن تسيروا على خُطاهم، فقال - عز وجل: {وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ (79) } [3] ... كل مؤمنٍ على وجه الأرض مأمورٌ بأن يكون ربَّانيًّا، بأتن يُطيعَ ربَّه ف كل أمرٍ، ويحمَده على كل حال، ويذكُره في

(1) سورة آل عمران

(2) سورة آل عمران

(3) سورة آل عمران

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت