فهرس الكتاب

الصفحة 378 من 676

وإن الذي يُسابِقُ في الملذَّات لن يرقَى في سُلَّم الطاعات، فلم نُخلَق للخلود في الدنيا ولا للإخلاد إلى الأرض، وإنما خُلِقنا - والله - لأمرٍ عظيم، فلا تغُرَّنَّكم الحياة الدنيا، ولا تُلهيَنَّكم عن الآخرة؛ فأتباعُ الأنبياء لا يُزاحِمون على طلب المتاع والتعلُّق بالدنيا.

ولا تيأسوا من كثرة الهالكين أو تسلُّط الفاسقين، {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا (33) } [1] .

إن المسلمين منذ فجر الرسالة لم يصفُ لهم الجو ولا خلا لهم الطريق، والابتلاء سنةٌ ماضية، وكل استرخاءٍ أو تخاذُل سيستغِلُّه شياطين الجن والإنس للنَّيْل من الحق والانحراف بالخلق.

إن الصلاح هو تزكية النفس، والإصلاح هو تزكية المجتمع، والمسلم الحقيقي هو الذي يتعهَّد نفسَه بالتقوى، ويُقبِل في الوقت نفسِه على المجتمع ليُؤازِر الحق ويعوقَ الباطل.

والجهاد الهائل الذي قام به خاتمُ الأنبياء هو صُنع أمةٍ راجحةِ الكِفَّة في كل ميدانٍ من ميادين الحياة، إن الله أنزل عليه الوحي وشرَّفه هذا القرآن، ثم كلَّفه أن يفتح بهذا القرآن أقفالًا، وأن يُنير به آفاقًا، وعن طريق المسجد ربَطَ الناسَ بالله، ورصَّ صفوفهم لتتماسك بعدُ في ميادين الحرب والسلام، مُعليَةً كلمات الله، وكلماتُ الله لا يُعليها رجالٌ صغار، إنما يُعليها رجالٌ كبار، وإن رفع الناس إلى مستوى الوحي - أعني: مستوى الفهم والتنفيذ - جهدٌ هائلٌ لا يقدرُ عليه إلا الأقلُّون، وهم الربانيون أتباع الأنبياء.

عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ، كَمَا تَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ مِنَ الْأُفُقِ مِنَ الْمَشْرِقِ أَوِ الْمَغْرِبِ لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تِلْكَ مَنَازِلُ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ، قَالَ:"بَلَى، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ"؛ متفق عليه.

وفي عصرنا هذا توجد ألف طريقةٍ لخدمة الإسلام وإنعاش الأمة المُغمَى والمُغمَّى عليها، وتثبيت أقدامها على الطريق التي مرَّت به مراكبُ السلف، ولا تصح هذه الطرق إلا بعد رفع أمتنا إلى مستوى الوحي، وتصحيح إنسانيتها، وفتح عينها المُغلَقة كي تمشي على سَناه

(1) سورة المائدة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت