وبعد ثلاثة قرونٍ من قيام الدولة السعودية؛ هلُمَّ لنتساءل: لماذا بقِيَت هذه البلادُ آمنةً في زمن الخوف، ولماذا اغتنَت وهي في صحراء قَفْر وأرضٍ فقر، ولماذا اجتمع الناسُ فيها وائتلفوا في زمن التفرُّق والخلاف؟!
إن لذلك أسبابًا شرعية تردُفها أخرى دنيوية: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) } [1] ، {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41) } [2] .
لقد وفَّق الله هذه البلاد، ومنذ أن قامت في دورها الأول بلزوم جماعة المسلمين والتمسُّك بالإسلام الذي جاء به نبيُّنا محمد - صلى الله عليه وسلم - عن رب العالمين، وقَفو أثر آل البيت وعموم الصحابة والتابعين، مما جعل للإسلام في هذه الديار بقاءً بنَقاء، وهيمنةً بصفاء، وستبقى هذه البلاد قائمةً ما أقامت التوحيد، منصورةً ما نصرَت السنة، عاليةً ما أعلنَت العدل، ولن نخافَ عليها من نقصٍ إلا إذا نقَصَت من عُرَى الدين، ولن نخشى إلا ذنوبنا وتقصيرنا مع ربنا.
إن الإسلام الذي قامت عليه هذه البلاد هو الإسلام الذي قبِلَته أجيالُ الأمة على مرِّ القرون، يُسلِمُه سلفُهم إلى خلفِهم، وعلماؤهم إلى مُتعلِّمِهم، نافين عنه تحريفَ الغالين، وانتِحال المُبطِلين، ولأجل هذا كانت هذه البلاد بحُكَّامها وعلمائها في مرمَى سهام المُتربِّصين، وإفكِ الكاذبين.
لقد نالَ علماءَ هذه البلاد الكثيرُ من الطعن والتكفير، كما نالَ حُكَّامَه صنوفٌ من اللَّمز والتشكيك في المواقف السياسية، والمُبادرات والقرارات في محاولةٍ للحدِّ من تأثيرها الإيجابي في العالم، ولإقصائها عن الرِّيادة في أمور الدين وفضاء السياسة، وهو الأمرُ الذي هو قدْرُها وقدَرُها، ويُملِيه عليها مكانُها ومكانتُها، وتتطلَّعُ إليه قلوبُ المستضعفين قبل عيونهم أملًا في لملَمة شمل، وتطلُّعًا لمُداواة جُرح، ورغبةً في سد حاجة، ومواقفُها وسيرتها شاهدةً على الجمع لا على التفريق، ورأْب الصدع لا شق الصفوف.
(1) سورة الأنعام
(2) سورة الحج