فهرس الكتاب
قال أبو العباس ابن تيمية - رحمه الله - في بيانِ منهجِ السلَفِ:"ويدعُون إلى مكارمِ الأخلاقِ ومحاسنِ الأعمالِ، ويعتقِدون معنى قولِهِ:"أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا"ويندُبُون إلى: أن تصِلَ من قطعَك، وتُعطِي من حرَمَك، وتعفُو عمَّن ظلمَك، ويأمُرون ببرِّ الوالدين، وصلةِ الأرحام، وحُسن الجِوارِ، والإحسانِ إلى اليتامَى والمساكين وابنِ السبيلِ، وينهَون عن الفخرِ والخُيَلاء والبغْيِ والاستطالةِ على الخلقِ بحقٍّ أو بغيرِ حقٍّ، ويأمُرون بمعالِي الأخلاقِ، وينهَون عن سفَاسِفِها".
عبادَ الله:
إن الإسلامَ لم ينتشِر في كثيرٍ من البلادِ بسيفٍ ولا سلاحٍ، وإنما نشَرَته أخلاقُ المسلمين، وقِيَمُ التجار الصالحين، إنها قِيَمُنا الإسلامية التي قبَسَها منا الآخرون فأنتَجوا بها ونجَحوا، ومن قرأ التاريخَ وتأمَّلَ مصارِعَ الغابرين وجدَ أن الانحلال الأخلاقيَّ، والفسادَ السلوكيَّ، والغِشَّ والخِيانةَ، والترَفَ والرخاوَة والتلهِّي بالنعيم، والأثَرة والأنانية هي السُّمُّ الذي يسري في كِيان الأمم حتى يصرَعها في نهاية الطريقِ.
وإن الغَيور على دينه وأمته، الناصحَ لله ولرسوله ولأئمةِ المسلمين وعامَّتِهم ليتقطَّعُ قلبُه أسَفًا، ويتحرَّقُ خوفًا ووجلًا حين يرى قِيَم الأمة تتحطَّمُ على يدِ إعلامٍ هابطٍ يُدنِّسُ ثوبَ الحياء والحِشمة بمشاهدِ التعرِّي والفُجور، ويهدِمُ صرحَ الجِدِّ والهِمَّة بنشر ثقافةِ اللهوِ والطَّرَبِ، والتفاهةِ والعبَث.
ويُحزِنُ الغَيُورَ أن يرى بين أفراد المُجتمعِ المُسلمِ هوًى مُتَّبعًا، وشُحًّا مُطاعًا، ودُنيا مُؤثَرة، وأصبحَت القِيَمُ الدَّخِيلة التي لا تنسجِمُ مع فِطرتِنا وعقيدتِنا تحُلُّ محلَّها؛ فالفرديَّةُ والأنانيةُ، وحبُّ المادةِ، والرَّكضُ وراء الشهوات، والتخلِّي عن معانِي الإنسانية أصبحَ لها حُضورٌ في المُجتمع.
والخوفُ كلُّ الخوفِ أن تتحلَّلَ الفضائلُ والسلوكيات وتذوبَ في المُجتمع وأن ينساها الجِيلُ، وربما يتنازلُ عنها مُقابلَ الماديات والمدنية المزعومة، وهي قِيَمٌ وثوابِت؛ بل هي هويَّةُ الأمة.