فهرس الكتاب
الإسلام، يشكُو النبيُّ الحبيبُ إليها، ويستنِدُ عليها، ومات عمُّه أبو طالب، وكان منَعَةً له وناصِرًا على قومه، واستغربَ الناسُ حادثةَ الإسراء فكذَّبوه، وارتدَّ بعضُ من أسلَمَ، وانكفَأَت الدعوةُ حتى ما كاد يدخلُ في الإسلام أحد.
وسمَّى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ذلك العامَ: عامَ الحزن، وتجرَّأَت قريشٌ على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبلغَت الحربُ عليه أقصَى مداها، ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يُعانِي من الوَحشَة والغُربة، وتُعانِي معه الجماعةُ المُسلِمةُ هذه الشدَّة.
فأنزلَ الله تعالى سورة الإسراء والفُرقان، ثم نزلَت سورةُ يونس، ثم سورة هود، وكان فيها من التثبيت والتسرية وقصص الأنبياء وأخبارِهم مع أقوامهم وأيام الله فيهم، وإدالَة الحق وأهله ما قوَّى عزمَ النبي - صلى الله عليه وسلم - وعُصبَته المؤمنة، وفي خاتمة سورة هود {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} [1]
وبعد هذه السور وفي تلك المرحلة الحزينة نزلت سورةُ يوسف؛ فكانت بلسمًا وحنانًا ورحمةً من الله وسُلوانًا، وكانت خاتمةَ القصص الجميلة.
سُورةُ يوسف فيها مشاهِدُ الألم والأمل، ومرارة الفِراق وحلاوة اللقاء، فيها حِكايةُ اليأس واليقين، والظلم والقَهر، والابتلاء والصبر، ثم النجاحُ والنصرُ. فيها الانتقامُ والعفوُ والصفحُ، فيها الرجاءُ والدعاءُ، والتمكينُ بعد الابتلاء، والعاقبةُ الحُسنى للمتقين والصابرين.
سُورةُ يوسف تتجلَّى فيها حِكمةُ الله وأقداره، وتدبيرُه وأسرارُه في نظمٍ قصصيٍّ لم تسمَع الدنيا بمِثلِه {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (1) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ (3) } [2] يقصُّ الله على نبيِّه الكريمِ قصةَ أخٍ له كريم: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم - عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين -، وهو يُعانِي صنوفًا من المِحَن والابتلاءات: مِحنةُ كيد الإخوة، ومِحنةُ الجُبِّ والخوف والترويعِ فيه، ومِحنةُ الرِّقِّ
(1) سورة هود
(2) سورة يوسف