فهرس الكتاب

الصفحة 524 من 676

وهو ينتقلُ كالسلعةِ من يدٍ إلى يدٍ على غير إرادةٍ منه ولا حمايةٍ ولا رعايةٍ من أبَوَيه ولا من أهله.

ومِحنةُ كيد امرأة العزيز والنِّسوة، وقبلَها ابتلاءُ الإغراء والفتنة والشهوة، ومِحنةُ السجن بعد رغَدِ العيشِ وطَرَاوَته في قصر العزيز، ثم مِحنةُ الرخاء والسلطان المُطلَق في يديه وهو يتحكَّمُ في أقوات الناس وفي رِقابِهم، وفي يديه لُقمة الخُبز التي تقُوتُهم، ومِحنةُ المشاعِر البشرية وهو يلقَى بعد ذلك إخوتَه الذين ألقَوه في الجُبِّ وكانوا السببَ الظاهرَ لهذه المِحَن والابتلاآت كلِّها.

فلا عجبَ أن تكون هذه السورة بما احتَوَته من قصةِ هذا النبيِّ الكريمِ، ومن التعقيباتِ عليها بعد ذلك مما يتنزَّل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين معه في مكة في هذه الفترة بالذات، تسليةً وتسريةً، وتطمينًا وتثبيتًا للمُطارَدين المُغترِبين.

بل كأنَّ في هذا تلميحًا بالإخراج من مكة إلى دارٍ أخرى يكون فيها النصرُ والتمكينُ مهما بدا أن الخروج كان إكراهًا تحت التهديد، كما أُخرِج يوسف من حِضنِ أبيه ليُواجِهَ هذه الابتلاءات كلها، ثم ينتهي بعد ذلك إلى النصر والتمكين، {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (21) } [1]

لقد جاءت آيةُ التمكين في ثنايا ذِكرِ يوسف وهو يُباعُ بيعَ الرَّقيق، وجاءت السورةُ وفي كل مراحلِ قصَّتها تأكيدٌ للإيمان واليقين والثقة بربِّ العالمين، والعاقبةِ الحُسنى للمُتَّقين.

وعند إلقاء يوسف في الجُبِّ وبيعِه وإرادة الكيدِ له قال الله تعالى {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (21) } ؛ فقد أراد إخوةُ يوسف له أمرًا وأراد الله له أمرًا، ولما كان الله غالبًا على أمره ومُسيطِرًا فقد نفَدَ أمرُه، أما إخوةُ يوسف فلا يملِكون أمرَهم، فأفلَتَ من أيديهم وخرجَ عما أرادوا {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} لا يعلمون أن سنةَ الله ماضِية وأن أمره هو الذي يكون.

(1) سورة يوسف

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت