فهرس الكتاب
وعندما كادَ يوسفُ أن يركَنَ إلى بشرٍ يذكُرُ مظلمَتَه عند الملِك كان جزاؤُه أن لبِثَ في السجنِ بِضعَ سنين، قد شاءَ ربُّه أن يُعلِّمَه كيف يقطَعُ الأسبابَ كلَّها، ويستمسِكَ بسببه وحده فلم يجعل قضاءَ حاجته على يدِ عبدٍ، ولا سببٍ يرتبِطُ بعبدٍ، وهذا من اصطفائِه وكرمِه.
إن عبادَ الله المُخلَصين ينبغي أن يُخلِصُوا له - سبحانه - وأن يدَعُوا له وحده قِيَادَهم، ويدَعُوا له - سبحانه - تنقِيلَ خُطاهُم، وحين يعجَزون بضَعفهم البشريِّ في أول الأمرِ عن اختيار هذا السُّلوك يتفضَّلُ الله - سبحانه - فيقهَرُهم عليه حتى يعرِفُوه ويتذوَّقوه ويلتزِموه بعد ذلك طاعةً ورِضًا وحُبًّا وشوقًا، فيُتِمُّ عليهم فضلَه بهذا كلِّه.
اليقينُ هو: الاعتزازُ بالله، والاطمئنانُ إليه، والثقةُ به، والتجرُّدُ له، والتعرِّي من كل قِيَم الأرض، والتحرُّر من كل أوهاقِها، واستِصغار شأن القوى المُتحكِّمة فيها.
أما يعقوبُ النبيُّ فكان المؤمنَ المُوقِنَ والصابِرَ الواثِقَ، وفي كل لحظةِ وداعٍ يقول {فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64) } [1] {وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (67) } [2]
وعند فقدِ أولادِه الثلاثة ويبلُغُ الألمُ مُنتهاه يقول {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (83) } [3] {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86) يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87) } [4]
إنه إيمانُ الأنبياء ويقينُ الحُنفاء، فلا تيأسُوا من رَوحِ الله - أيها المَكلُومون -، ولا تيأَسُوا من نصرِ الله - أيها المُرابِطون الصامِدون في وجهِ العواصِفِ -، المؤمنون الموصولةُ قلوبُهم بالله، النَّدِيَّةُ أرواحُهم برَوحِه، الشاعِرون بنفَحَاته الرَّخِيَّة، لا ييأَسُون من رَوحِ الله ولو أحاطَ بهم
(1) سورة يوسف
(2) سورة يوسف
(3) سورة يوسف