الكَربُ، واشتدَّ بهم الضِّيقُ؛ فالمؤمنُ في رَوحٍ من ظِلالِ إيمانه، وفي أُنسٍ من صِلَته بربِّه، وفي طُمأنينةٍ من ثقتِه بمولاه، وإن كان في مضايقِ الشدة ومخانِقِ الكُروبِ.
أيها المؤمنون:
لقد كانت تلك المِحَنُ والابتلاءات من تدبيرِ الله ولُطفِه وعلمِه ورحمتِه، حتى مكَّنَ الله ليوسف - عليه السلام -، فصار ملِكًا عزيزًا بيده خزائنُ مِصر، {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ (56) } [1] يتَّخِذُ منها المنزلَ الذي يُريد، والمكانَ الذي يُريد، في مُقابِل الجُبِّ وما فيه من مخاوِف، والسجنِ وما فيه من قُيُودٍ، {نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ (56) } [2] فنُبدِلُه من العُسر يُسرًا، ومن الضِّيقِ فرَجًا، ومن الخوفِ أمنًا، ومن القيدِ حُرِّيَّةً، ومن الهَوانِ على الناسِ عِزًّا ومقامًا عليًّا، {وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56) } [3] الذين يُحسِنون الإيمانَ بالله والتوكُّل عليه والاتجاهَ إليه، ويُحسِنون السُّلوكَ والعملَ، {وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (57) } [4]
وهكذا عوَّضَ الله يوسف عن المِحنَة تلك المكانةَ في الأرض، وهذه البُشرى في الآخرة جزاءًا وِفاقًا على الإيمان والصبر والإحسان، وهذا من سرِّ تَكرار وصفِ الله العليِّ لذاتِهِ بأنه هو العليمُ الحكيمُ يعلمُ الأحوالَ، ويعلمُ ما وراءَ هذه الأحداث والابتلاءات، ويأتي بكلِّ أمرٍ في وقته المُناسِب عندما تتحقَّقُ حِكمتُه في ترتيب الأسباب والنتائج {فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19) } [5]
وفي خِتام السورة وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا
(2) سورة يوسف
(3) سورة يوسف
(4) سورة يوسف
(5) سورة النساء