فهرس الكتاب
ومعجزةُ القرآن الخالِدة: أنه نزل قبل أربعة عشر قرنًا، وخاضَ بهذه الأمة معركةً كُبرى حوَّلت تاريخَها وتاريخَ البشريَّة كلَّه معها، ومع ذلك فهو يُعايِشُ الحياة الحاضِرة وكأنَّما هو يتنزَّلُ اليوم لتوجيه المُسلمين في أحداثِهم الراهِنة، وفي صِراعهم مع الأحداث حولَهم.
أيها المسلمون:
{قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138) } [1] إن القرآن ليربِطُ حاضِر الأمة بماضِيها، فيرسُمُ بذلك مُستقبلَها.
عباد الله:
تلكم الآيات الماضِيات نزلَت في معركة أُحُد، والتي وقعَت في شهر شوال من السنة الثالثة من الهِجرة؛ وذلك أن المُشركين أرادوا الانتقام لهزيمتِهم في بدرٍ، فحشَدوا جيشَهم ثلاثة آلاف مُقاتلٍ على أطراف المدينة، واستشار النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أصحابَه، وكان يُريد التحصُّن في المدينة، لكنَّ كثيرين ألحُّوا على الخروج، فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - في سبعمائةٍ من أصحابه بعد أن قام رأسُ المُنافِقين بتخذيل الناس والرجوع بثُلُث الجيش، فنزل النبي - صلى الله عليه وسلم - بمن بقِيَ معه عند جبل أُحُد، وجعل الرُّماةَ على مُرتفعٍ وأمرَهم ألا يبرَحوا مواقِعَهم.
ودارَت رحا المعركة، وانتصَر المُسلمون في بادِئ الأمر، حتى فرَّ المُشرِكون وسقَط لواؤُهم، واستعجلَ بعضُ الرُّماة فنزَلوا من الجبل يظنُّون الأمرَ انتهى، ثم التفَّ المُشرِكون وكرُّوا على المُسلمين من خلفِهم، فقتلُوا سبعين من خِيار الصحابة المؤمنين، وشجُّوا رأسَ النبي - صلى الله عليه وسلم - وكسَروا رباعيَّته، وأشاعُوا أنهم قتَلوا النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأوقعَ ذلك في قلوب المؤمنين حُزنًا عميقًا، وألمًا شديدًا، وهزيمةً وانكِسارًا.
ثم أشاعَ المُشرِكون أنهم سيقصِدون المدينةَ، فنادَى النبي - صلى الله عليه وسلم - الجرحَى والمُنهَكين المُصابِين، فاستجابُوا للنداء على ما بِهم من الجِراحات، ونفَروا لمُناجَذة العدو، وصدَقوا مع العدوِّ ولم يأبَهوا للمُخذِّلين.
(1) سورة آل عمران