فهرس الكتاب
وصدَرَت خلال ذلك مقالاتٌ وعبارات، ومواقِفُ وبُطولات، وانتِكاساتٌ وانكِسارات، ونزل في هذه الواقِعة قرآنٌ يُتلَى إلى يوم القيامة، ستون آيةً من سورة آل عمران ليست مجرد تأريخٍ لواقعةٍ مضَت وانتهَت، وإنما يعيشُ قارِئَها تلك الأحداث، ويرى المُسلمين ومن حولهم أعداؤُهم يتربَّصُون بهم، ويُبيِّتون لهم، ويُلقون بينهم بالفِرية والشُّبهة، ويتحاقَدون عليهم، ويجمَعون لهم، ويلقَونهم في الميدان، وينهزِمون أمامَهم، ثم يكِرُّون عليهم فيُوقِعون بهم. فما أشبهَ الليلة بالبارِحة.
أيها المؤمنون:
{إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141) } [1] . إن تعاقُب الشدَّة والرخَاء تكشِفُ معادِن النفوس وطبائِع القلوب، ودرجة الهلَع فيها والصبر، ومدَى الثِّقَة فيها بالله أو القُنوط.
وإن من مصلَحة الأمة أن تُصابَ برجَّاتٍ عنيفةٍ تعزِلُ الخبَثَ عنها، وقد اقتضَت حكمةُ الله أن يقعَ هذا التمحيصُ في أُحُد، {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ (179) } [2] .
ومُداولةُ الأيام، وتعاقُبُ الشدَّة والرخاء محكٌّ لا يُخطِئُ، وميزانٌ لا يظلِم.
وفي معركة أُحُد انكشَفَت عورةُ المُنافِقين، وظهرَ أثرُهم كما هو في كل زمانٍ، يستغِلُّون أوقاتِ الضعفِ لبلبَلَة القلوب، وخلخلَة الصُّفوف، وإشاعة الخَوَر، مع إثارة الفتن والشُّبُهات لهَدم كِيان المُجتمع المُسلم، بدءًا بعقيدته وقِيَمه، حتى يستسلِم للأقوياء الغالِبين.
وكانت آثارُ المعركة تمحيصًا للنفوس، وتمييزًا للصفوف، وتحرُّرًا من تمييع القِيَم وتأرجُح المشاعِر؛ وذلك بتميُّز المُنافِقين ووضوحِ سِماتِهم.
ولئِن نجحَ ابنُ أُبيٍّ في التأثير على ثُلُث الناس حتى رجَعوا إلى المدينة وتخلَّوا عن نُصرة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلقد صمَدَت صفوةٌ نقيَّةٌ، حمَلَت أعباءَ الدين، وأنفقَت وقاتَلَت
(1) سورة آل عمران
(2) سورة آل عمران