من بين الأخطار والآفات المُحدِقة بالإنسان، وجاءَ الأمرُ الربَّانيُّ بطلَبِ الغوثِ والمعونة والاستِجارةِ والاستِعاذَة بالله - سبحانه - من كل الشُّرور بشكلٍ عامٍّ، ومن هذه الشُّرور المذكورةِ بشكلٍ خاصٍّ.
والقصدُ: هو تعميقُ التوحيد في النفوس، وذلك لحاجتِها لمن يحفَظُها ويدفعُ عنها أنواعَ الشُّرور والأذَى، وتعلُّقُها بمن يحمِيها ويدفعُ عنها الشرَّ. فتضمَّنَت هاتان السُّورتَان الاستعاذَةُ من هذه الشُّرور كلِّها بأوجَزِ لفظٍ وأجمعِه، وأدلِّه على المُراد، وأعمِّه استِعاذة.
ومعنى {أَعُوذُ (1) } [1] أي: ألُوذُ وألتجِئُ وأعتصِمُ بالله، وأطلبُ منه الحماية.
فالاستِعاذةُ عبادةٌ نسترضِي بها من نستعيذُ به - سبحانه -، وهي الثقةُ بأنه وحده القادرُ على دفع الخطَر ورفعِه.
ففي المُعوِّذة الأولى أمرَ الله نبيَّه أن يستعيذَ ويحتمِي بربِّ الفلق، وهو الله - سبحانه - ربُّ الصباح المُنفلِق عن الليل، الكاشِف لظلامه.
وتخصيصُ الصُّبح بالتعوُّذ هو أن انبِثاق نور الصُّبح بعد شدَّة الظُّلمة كالمثَل لمجِيء الفرَج بعد الشدَّة، فكما أن الإنسانَ يكونُ مُنتظِرًا لطلُوع الصباح، فكذلك الخائِفُ يترقَّبُ مجيءَ الفرَج والأمان، فقال - عز وجل - لنبيِّه ولكل مؤمنٍ به: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2) } [2] أي: من شرِّ خلقِه إطلاقًا وإجمالًا، وهو عامٌّ لكل شرٍّ في الدنيا والآخرة، وشرِّ الإنس والجنِّ والشياطين، وشرِّ السِّباع والهوامِّ، وشرِّ النار، وشرِّ الذنوب والهوَى، وشرِّ النفس، وشرِّ العمل، وشرِّ كل ذي شرٍّ.
{وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) } [3] الغسقُ شدَّةُ الظلام، والغاسِق هو الليلُ أو من يتحرَّكُ في جوفِه، ومعنى {وَقَبَ (3) } [4] أي: دخل.
قال ابن عباس - رضي الله عنهما:"هو الليلُ إذا أقبلَ بظلامِه".
قال مُجاهد والزهريُّ:"هو وقتُ غروب الشمس".
(1) سورة الفلق
(2) سورة الفلق
(3) سورة الفلق
(4) سورة الفلق