اعتمد عليها في المقابلة واتخذ حرف (ص) رمزا له طوال مقابلاته على نحو ما يتضح في طبعة مصر لصحيح البخارى منذ القرن الماضى.
ونلتقى بعده ببكار بن برهون بن عيسى الغرديس السجلماسى، وكان قد حجّ ولقى بمكة أبا ذر الهروى وسمع منه صحيح البخارى، وعاد إلى المغرب يملى رواية البخارى عنه. ورواية أبى ذر كانت أحد الأصول الأربعة التى اعتمدها اليونينى في مقابلاته لإخراج نسخته من صحيح البخارى على أدق صورة علمية ممكنة، وتسامع العلماء والطلاب في المغرب الأقصى بروايته، فرحل إليه كثيرون من المغاربة والأندلسيين يأخذونها عنه وبذلك حظيت المغرب من قديم بروايتين أصيلتين من روايات صحيح البخارى، وكان ابن الغرديس لا يزال على قيد الحياة سنة 486 مما يجعله أول محدث كبير يلقانا في عصر المرابطين. ومن تلامذته يوسف بن عيسى بن الملجوم المتوفى سنة 492 هـ/1098 م وقد أجاز له سنة 486 هـ/1093 م وحضر ابن الملجوم مع يوسف بن تاشفين موقعة الزلاقة سنة 479 هـ/1086 م. وكان ابنه عيسى محدثا على مثاله، وسمع منه ومن شيوخ عصره ورحل إلى سجلماسة. وسمع ابن الغرديس وأخذ عنه. وتهدى سبتة في عصر المرابطين القاضى عياض إلى علوم الحديث ورواياته وقد توفى سنة 544 هـ/1149 م وبذلك يكون قد لحق عصر الموحدين إذ عاش في عصرهم بقية قليلة نحو خمس سنوات، ومولده بسبتة سنة 496 هـ/1102 م وله في الحديث النبوى كتب مختلفة، منها كتاب الشفا في التعريف بحقوق المصطفى صلّى الله عليه وسلم، وشرّق هذا الكتاب وغرّب، وكتبت له شروح كثيرة، ومنها إكمال المعلم بصحيح مسلم، والمعلم لشيخه المازرى الصقلى المتوفى بالمهدية سنة 536 هـ/1141 م وقد أضاف إلى شرحه لمسلم زيادات وإضافات، ومنها مشارق الأنوار في تفسير غريب الحديث بكتبه الصحاح الثلاثة: الموطأ وصحيح البخارى وصحيح مسلم، ويشمل ضبط ألفاظها وتفسيرها مع التنبيه على مواضع الأوهام والتصحيفات.
ومضت رواية الحديث النبوى والتأليف فيه يزدهران في عصر الموحدين، إذ كان خلفاؤهم يعنون به بل كان منهم من يكثر من مدارسته، حتى نسب إلى الخليفة يوسف بن عبد المؤمن أنه كان يحفظ أحد الصحيحين: صحيح البخارى أو صحيح مسلم كما يقول صاحب المعجب، وكان ابنه يعقوب على غراره، ونال عنده طلبة الحديث ما لم ينالوه في أيام أبيه وجده كما يقول صاحب المعجب. ويقول ابن أبى زرع في كتابه روض القرطاس عن ابنه المأمون إدريس (624 هـ/1227 م-630 هـ/1233 م) إنه كان إماما في الحديث ولم يزل أيام خلافته يقرأ كتاب الموطأ وكتاب صحيح البخارى وسنن أبى داود. ومن كبار المحدثين في عصرهم أبو عبد الله بن الغازى السبتى محمد بن الحسن، وكان راوية للحديث واستقضى ببلده سبتة، توفى سنة 591 هـ/1104 م ومنهم على بن عتيق المتوفى سنة 598 هـ/1201 م وكان محدثا