وانهيار الطرق الاستعمارية في الحكم، لكن أساس التغيرات الراديكالية في عدد من الدول العربية خلقتها تحولات داخلية
الأمر الذي لا يدع أي مجال للشك أو الاختلاف، أن وصول القوى المعادية للاستعمار إلى السلطة لم يحدث بمساعدة من موسكو، وأكبر دليل على ذلك الأوهام المتعلقة بإسقاط النظام الملكي وإعلان الجمهورية في العراق في 14 يوليو 1908، والتي انتشرت بسرعة عبر وسائل الإعلام الغربية والسياسيين الفاشلين، في نفس الوقت الذي لم يخطئ فيه الدبلوماسيون الموجودون في مكان الحدث وكما هي القاعدة أصابوا في تفسير جوهر ما حدث، فقد أبلغ السفير الإنجليزي في العراق مايکل رايت وزارة الخارجية البريطانية بعد عشرة أيام من خلع الملك، وأشار إلى أن الأمر يشبه ما حدث في مصر حيث قامت مجموعة من الضباط بقيادة ناصر بخلع الملك فاروق، وأن سبب الانقلاب في العراق هو عدم الرضى عن سياسات الملك فيصل ورئيس ترانه نوري السعيد، وكان سفير إنجليزي أخر في بغداد هو جون تراوتبيك قد حذر لندن عام 1954 في برقية مشفرة من تصاعد الغضب في العراق بسبب الفساد وتقتير الطبقة الحاكمة، والظروف الصعبة الحياة، والفقر، وعدم وجود أي إمكانية أمام الشباب لصنع مستقبل بعد انتهائه من دراسته، وأخيرا تزايد الفراغ الإيديولوجي الناتج عن ضعف تأثير الإسلام عاما بعد عام، وأشار السفير الإنجليزي بشكل مباشر إلى أن سياسة نوري السعيد والأسرة الحاكمة تلقى رفضا شعبيا مماثلا لرفض تصرفات بريطانيا السفير الأمريكي لدى العراق ويلمان هيلمان بدوره وصل إلى نتيجة مفادها أن موسكو ليس لها يد في الانقلاب
ورغم ذلك لم يكن الاتحاد السوفييتي في نهاية الأمر بعيدا عن الأحداث التي جرت سواء في مصر أو العراق أو سوريا، ذلك أن الاتحاد السوفييتي نفسه أو على الأرجح كان القادة العرب هم الذين يفتحون خطوط اتصال مع الاتحاد السوفييتي بعد انقلاباتهم الثورية، لكن هؤلاء القادة لم يصلوا إلى السلطة نتيجة مؤامرات حاكتها موسكو، ولكن نتيجة فشل سياسات بريطانيا وفرنسا التي كانتا تنتهجانها سواء بشكل مباشر أو بمعاونة أتباع خونة وفاسدين من الأوساط العربية على مدى أعوام طويلة