الصفحة 200 من 306

وهذه الشروط المسبقة تتضمن المكان والانتماء السياسي. يكون الحرمان الأساسي من حقوق الإنسان جلية أولا وقبل كل شيء، تكتب أرندت، وفي الحرمان من مكان ما في العالم يجعل الآراء مهمة والأفعال مؤثرة» (أصول الشمولية، 296) . ويستتبع ذلك أنه في هذه الكتابة ومن خلالها نسعى أرندت إلى تصويب البلاغة الجوفاء لحقوق الإنسان بيسط الشروط التي يمكن تحتها للبلاغة السياسية أن تصبح وتبقى فعالة. فهي لا تقدم الشروط لأجل ممارسة خطاب فعال فقط، بل تستخدم خطابا بشكل فعال - أو على الأقل تحاول ذلك. ورغم أنها لا تقول ابدأ كيف تربط بلاغتها الخاصة بنقد حقوق الإنسان الذي تقدمه، فإنها تستبدل بشكل فعال ذاك الخطاب بخطابها.

ما يعنيه هذا بالنسبة لمفهوم أرندت للمعنى الاجتماعي للإنسان على درجة من الأهمية، إذ ترى أرندت في النهاية أن كفاءتنا وممارستنا الحقيقية لحريتنا لا تنبعان من شخصيتنا الفردية، بل بالأحرى من شروط اجتماعية كالمكان والانتماء السياسي.

هذه ليست مسألة إيجاد الكرامة الإنسانية داخل كل شخص، بل مسألة فهم الإنسان ككائن اجتماعي، كائن يتطلب مكانة ومجتمعا لكي يكون حرة، ليمارس حرية الفكر کرأي، ليمارس عملا سياسية يكون مؤثرا. يعني أيضا فهم أن الإنسان يصبح بائسا سياسية عندما لا تلبي هذه الشروط، تبدو أرندت بالتأكيد مناصرة لمبدأ حقوق إنسان قائم بوضوح على أنطولوجيا اجتماعية (إضافة إلى كونها ناقدة للدولة القومية) عندما تكتب، «إن الحق في امتلاك الحقوق، أو حق كل فرد في الانتماء إلى الإنسانية، يجب أن تكفله الإنسانية نفسهاه (أصول الشمولية، ص: 298) . ومع ذلك، يبقى السؤال: بأي معني ستكفل الإنسانية مثل هذه الحقوق؟ لا تعطينا أرندت جوابا، رغم أنها تسعى إلى تقديم المعيار الذي سينطبق عليه أي جواب.

بالنسبة لأرندت، ليست الحرية خاصية للأفراد، بل تمرينا وعملا منسقا تؤديها انحن»، التي تؤسس، في التمرين والأداء، تلك الانحن» باعتبارها الشرط الاجتماعي للحقوق نفسها. لهذا، تكتب، اتقوم حياتنا الاجتماعية على افتراض أننا يمكن أن ننتج المساواة من خلال التنظيم، لأن الإنسان يمكن أن يعمل في عالم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت