وأرندت تحول اهتمامها إلى أشكال العيش في التنافس والاختلاف. إذا كانت فكرة الانتهاء لاتزال صالحة بالنسبة لها في الأربعينيات وأوائل الخمسينيات، فيبدو أنها قد أزاحها مفهوم للتنظيم السياسي أكثر عداء للتضامن في كتابها في الثورة (1962) ، حيث تمتدح «نظام المجالس الشعبية» [الكومونات في الثورة الفرنسية، الذي يفهم كاعتناق منظم بشكل عفوي للمبدأ الفدرالي. بشكل مماثل، فإن فيدرالية ماديسون، التي أبقت سلطة الولايات المكونة لها مع أنها أخضعتها، استمدت سلطة شرعية من الولايات، لكنها أبطلت سيادتها من خلال سلطة فدرالية. برأي أرندت، كان النظام الفدرالي هو البديل الوحيد عن مبدأ الدولة القومية» في الثورة الأميركية (1) .
من الصعب تخيل الآمال التي استثمرتها أرندت في السلطة الفدرالية. فقد كانت طريقة لمأسسة مساواة لا تحد من السيادة القومية فحسب، بل قادتها في نهاية المطاف إلى ترك فكرة «الأمة» وراءها. فالمساواة ليست الأنطولوجيا الاجتماعية للإنسان فحسب، وفقا لأرندت، بل الإمكانية السياسية لاتحاد فدرالي ما بعد قومي أو إطار
حقوق إنسان جديد وأكثر فعالية. إذا لم يكن نظام الحكم الذي سيكفل الحقوق هو الدولة القومية، عندئذ سيكون إما اتحاد فدراليا تلغى فيه السيادة من خلال توزيع سلطتها أو إطار حقوق إنسان سيكون ملزمة لأولئك الذين أنتجوا بنوده بشكل جماعي. كان الاتحاد الفدرالي هو ما تخيلته، ربا بسذاجة، من أجل اليهود في أوروبية في أواخر الثلاثينيات. هذا هو السبب في أن جيشايهودية يمكنه أن يمثل «أمة» اليهود دون امتلاك دولة أو أرض بوصفها الشرط المسبق للأمة. كان أيضا ما باتت تتخيله في عام 1948 لأجل اليهود ولأجل الفلسطينيين، برغم إقامة إسرائيل على أسس قوموية ومزاعم السيادة اليهودية. يمكن أن نعيب عليها سذاجتها في الحالتين، لكننا عندئذ سيكون علينا أيضا أن نفسر تبصر تنبؤاتها، بكل فظاعتها: تكرار حالة اللادولة واستمرار العنف. إذا كانت لا تكن أي حب للشعب اليهودي، كما زعم شولم، فربها لأنها، کلاجئة يهودية، كانت تأخذ على محمل الجد تاريخ الطرد والنفي، وأصبح ذلك أساس التزامها النقدي بالمهمة الصعبة لتأمين حقوق الذين بلا دولة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) حنة أرندت، في الثورة (نيويورك: بنغوين، 1990) ، ص: 166.