الصهيونية المطالبة بالعدالة لضحاياها - ليس الفلسطينيين الذين يعانون منها فقط، بل أيضا اليهود المناهضين للصهيونية، «الممحوين» من الرواية المكرسة رسمية للتاريخ الصهيوني. بتفكيك هذه الأيديولوجيا، نسلط الضوء على السياق الذي تجهدلكبنه، وعلى العنف الذي تشرعنه بمزيج من التبرير اللاهوتي - الميتافيزيقي والاحتكامات العاطفية إلى الشعور بالذنب التاريخي تجاه الاضطهاد المروع الذي لا يمكن إنكاره لليهود في أوروبة وفي أمكنة أخرى.
من الممكن، بالطبع، أن نحتكم إلى العدالة دون استحضار التفكيك، الذي ليس الشرط الضروري»، بالمصطلحات الفلسفية الرسمية، لإمكانية هذا المطلب. لماذا إذن، تفكيك الصهيونية؟ ولماذا الآن؟ وما الذي يستبعه مثل هذا التفكيك أصلا؟
دعونا نبدأ بالمعنى الذي يحمله التفكيك للصهيونية. ثمة طريقتان مترابطتان للنظر في دعوى الحظر المفروض على تفكيك الصهيونية، وكلتاهما تلعبان دورة في المقالات التي تؤلف هذا المجلد. المعنى الأول، والأكثر تداولا، هو النقد الجذري للآيديولوجيا، بتفحصه الدقيق لكل الافتراضات المسبقة والمستترة في كل منظومة فكرية. التاريخ مهم: فالصهيونية، مثل الأيديولوجيات الأخرى، كانت تصورة تاريخية، مشروعا متاسكة إلى حد ما اتخذ تشكيلة واسعة من الصيغ، تمتد سلسلتها من الديني إلى العلماني. التفكيك يعيد عرض تاريخ الصهيونية رجوعا إلى الوراء، كاشفة دوافعها واستراتيجياتها وقبل كل شيء شروطها المسبقة وغير المعلنة لما هو متضمن في عقيدتها (على سبيل المثال، طرد سكان فلسطين غير اليهود الموجودين للتو قبل عام 1948، تجسيدا لشعار «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض ) ) .
المعنى الثاني، التقني، للتفكيك يتعلق بالمضامين والإيحاءات الدريدية (والهايدغرية) تحديدا، إذا فهم بهذا المعنى، فالتفكيك شيء أكثر من مجرد نقد تقليدي للآيديولوجيا: إنه نقد اميتافيزيقا الحضورا. ويمكننا شرح ميتافيزيقا الحضور باقتضاب انطلاقة من فلسفة هايدغر؛ فوفقا له كل عصر في تاريخ الفكر الغربي أطلق على الكينونة اسا (وأخطأ التسمية) ، كالثل، والمحرك الأول الذي لايحرك، والمادة/ الجوهر،