الصفحة 286 من 306

بحسب مارکس، فإن باور على حق، بالطبع، في أنه يرى أي دين كطريقة الاضطهاد الناس وفصلهم بعضهم عن بعض. لكن الدين بوصفه ايمانة ذاتية هو، بحسب مارکس، مجرد تعبير أيديولوجي عن المشاكل البنيوية الأكثر أساسية للدولة بحد ذاتها. هذا هو السبب في أن حل المسألة على المستوى اللاهوتي والسياسي المحض، كالحل الذي اقترحه باور، غير كاف. بالفعل، إننا نرى أن الدين، البعيد عن الانقراض، يزدهر بشكل فعلي في الدول الجمهورية الأكثر حداثة، كالولايات المتحدة الأميركية. لذلك، يقول مارکس، فإن الدين (بوصفه أيديولوجيا) هو مجرد عرض (symptom) - ليس مجرد أمارة لقاعدة» مادية معينة، كما تقدمه الماركسية المبتذلة، بل عرض للتنظيم الديني العميق للحياة المادية للمجتمع. إن أفراد الدولة السياسية هم دينيون بسبب الازدواجية بين حياة الفرد وحياة النوع (species - life) ، بين حياة المجتمع المدني والحياة السياسية (1) . الدين هو خلل في تنظيم المجموع الكلي (Totality) . الخلل هو الانفصال بين الخصوصي والعمومي أو بين العام والخاص، أو، بين الدولة والمجتمع المدني (تسمية هيغل للنشاط الاقتصادي الروتيني) .

دعونا نأخذ حقوق الإنسان، يقول مارکس-لب المذهب الليبرالي بالذات. إن حقوق الإنسان، کا تصاغ في الثورات العظيمة لنهاية القرن الثامن عشر، هي، وفقا له، مناقضة لذاتها. فمن جهة أولى، تقتضي ضمن عمومية جماعية على مستوى الحقوق المدنية - سيادة الشعب، حقوق الاقتراع، الحق في التعبير العلني، إلخ. لكنها، من جهة أخرى، تقتضي ضمنا الأنوية (egoism) وحق الخصوصية، على مستوى الحقوق التي تتصل بالمجال «الخاص» ، أي الاقتصاد والدين. لهذا تعرف الحرية في إعلانات حقوق الإنسان بأنها «الحق في فعل كل شيء لا يؤذي أحدة آخر» (2) . هذا يعني أن هذه هي مجرد مسألة حرية الإنسان ككيان منفرد (monad) معزول، منطو على نفسه، بشكل مماثل، يؤدي فصل الدولة عن الدين لا إلى التحرر من الدين، بل

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في المسألة اليهودية اسبق ذكره، ص: 159.

(2) المرجع السابق، ص: 162.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت