الآخرين)، قشت العتهم، في كينونتهم بالذات. لم يعودوا بخلاء و مرابين مضحكين بل أبطالا شيطانيين للعنة أبدية، يلاحقهم ذنب غير محدد، مروع إلى حد لا يمكن الكلام عنه، محكوم عليهم بالتيه، والتوق إلى إيجاد الخلاص في الموت. وهكذا، تماما عندما اختفت الشخصية المحددة لليهودي، ظهر اليهودي المطلق، وهذا التحول كان شرط انتقال اللاسامية من اللاهوت إلى العرق. أصبحت لعنة اليهود عرقهم، إذ لم يكونوا مذنبين بسبب ما فعلوه (استغلال المسيحيين، أو قتل أطفالهم، أو اغتصاب نسائهم أو، في المطلق، خيانة المسيح وقتله) بل بسبب ما كانوه. هل من الضروري أن نضيف بأن هذا الانتقال وضع الأسس للهولوكوست، للإبادة الجسدية لليهود بوصفها الحل النهائي الصحيح المشكلتهما؟ بقدر ما كان اليهود يعترفون بسلسلة من خواصهم، كان الهدف هو هدايتهم، وتحويلهم إلى مسيحيين؛ لكن منذ اللحظة التي أصبحت يهوديتهم متعلقة بكينونتهم ذاتها، وحدها الإبادة صارت قادرة على حل المسألة اليهودية». .
بيد أن اللغز الحقيقي للاسامية هو لماذا تكون بهذا الثبات. لماذا تستمر عبر كل التغيرات التاريخية؟ لعل هذا إلى حد ما يشبه ما قاله ماركس عن الشعر هوميروس اللغز الحقيقي الذي يتعين تفسيره هو ليس أصوله، ليس شكله الأصلي (أي كيف أن شعر هوميروس متجذر في المجتمع اليوناني القديم) بل لماذا يستمر بسحره الفني الفائق اليوم، بعد زمن طويل من اختفاء الشروط الاجتماعية التي ولدته. من السهل أن نحدد تاريخ اللحظة الأصلية للاسامية الأوروبية، فقد بدات كلها ليس في روما القديمة بل في أوروبة القرنين الحادي عشر والثاني عشر، التي كانت تصحو من عطالة «العصور المظلمة» وتمر بنمو سريع لتبادل السوق وازدياد أهمية المال. في تلك النقطة بالضبط، يظهر اليهوديه بوصفه العدو: المرابي، والدخيل الطفيلي الذي يشوش الصرح الاجتماعي المتناغم. لاهوتية، هذه أيضا هي لحظة ما دعاه جاك لوغوف (Jacquele Goff) ولادة المطهرة (purgatorium) ، أي فكرة أن الاختيار ليس بين الجنة والجحيم فقط بل لا بد أن يكون هناك مكان ثالث،