الصفحة 64 من 262

تشجيع عظيمة لصناعة الأخرى.

ولما كانت هذه مزايا النقل المائي، فمن الطبيعي أن تحصل أولى تطورات الصنائع والفنون حيث تجعل هذه المنشآت من العالم کله سوق لمنتجات كل أصناف العمل، وأن يتأخر انتشار هذه التطورات في المناطق الداخلية من الريف. ومن الجائز لأنحاء الريف الداخلية أن تفتقر إلى سوق ينفق فيها القسم الأكبر من سلعها غير ذلك القسم من الريف الواقع على مقربة منها، ويفصلها عن المناطق الساحلية، والأنهر الكبرى [123] القابلة للملاحة النهرية. وهكذا فإن سعة السوق ينبغي أن تكون، لزمن طويل، متناسبة مع ثروات هذا الريف وكثافته السكانية، ولا بد لتطورها، تاليا، من أن يکون دائمة لاحقة لتطور ذلك الريف. ففي مستعمراتنا الأمريكية الشمالية، لم تزل المزارع تتبع باستمرار ساحل البحر أو ضفاف الأنهر القابلة للملاحة، وقلما توسعت في أماكن أخرى إلى أية مسافة كبيرة بعيدا عنهما. >

واستنادا إلى أوثق التواريخ، فإن الأمم التي تمدنت أولا، كانت تلك التي قامت حول البحر المتوسط. فهذا البحر الذي يعتبر بامتياز أعظم خليج معروف في العالم، هذا البحر الذي لا يعرف المد والجزر، ولا أية أمواج غير تلك التي تسببها الريح فحسب، کان، بفضل نعومة سطحه، وتعدد جزره، وتقارب سواحله المتجاورة، مؤاتية للغاية لبواكير الملاحة في العالم؛ يوم كان البشر يخشون الإبحار بعيدة عن مرأى السواحل جراء جهلهم بالبوصلة، وخوض الجج المحيط الصاخبة جراء نقص مهارتهم في فن بناء السفن. حتي كان اجتياز أعمدة هرقل، أي الإبحار خارج مضيق جبل طارق،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت