الصفحة 43 من 169

وبعد ذلك وثب وثبة جنائية في ربيع سنة 338 ق. م. بعد أن مهد طريقه بخدعة. ذلك أن باحتلاله "ايلانيه كان قد حول التفات العدو من الوجهة الاستراتيجية نحو الطريق الشرقي - الذي هو الآن خط الانتظار الطبيعي. ثم أنه حول التفات القوة التي سدت الطريق الغربي، من الوجهة التكتيكية، بأن دبر كتابا تكلم فيه عن عودته سريعا إلى طراقية وجعله يقع في يد هذه القوة. وبعد ذلك تحرك من ستينيوم بسرعة واجتاز الممرليلا ثم خرج في قلب ''بو يوتيل الغربية في امفيزا». وتمادي في السير حتى وصل إلى ناو پکتوس وفيها فتح مواصلاته عن طريق البحر، فأصبح والحالة هذه وراء المدافعين عن الممر الثمرف وان كان بعيدا عنهم، أما هم فلما رأوا ذلك رجعوا متقهقرين من وارا پوتامي''. لاخوفا من قطع خط رجعتهم اذا هم بقوا في مكانهم خسب، ولكن أيضا لأن بقاءهم فيه ليس له قيمة ظاهرة. على أن فيليب تحول مرة أخرى عن خط الانتظار وقام باقتراب آخر غير مباشر. فأنه بدلا من أن يتمادى في الضغط نحو الشرق من " امفيرا مجتازا البلاد الجبلية التي تساعد على المقاومة، حول جيشه ورجع به مجتازا "سيتينيوم" و "أيلاتيه'' ثم دار نحو الجنوب مجتازا ممر پاراپونامي " الذي أصبح الآن بغير حراسة وانقض على جيش العدو في " خارونيه. فكان انتصاره التكتيكي نتيجة طبيعية وتأسست الزعامة المقدونية في بلاد اليونان.

على أن الأجل وافاه قبل أن يصل بهذه الزعامة إلى آسيا وكان من نصيب ابنه اسکندر أن يخرج الحملة التي نواها والده من حيز الفكر الى حيز الوجود، ولم يقتصر، أورثه الاسكندر عن والده على خطة وآلة تعد نموذجا - هو الجيش الذي رقاد فيليب - اسب. بل ورث أيضا فكرة الاستراتيجية العظمى، وهناك ميراث آخر له قيمة مادية لاتنكر هو امتلاك رؤوس جسور (کاري) الدردنيل التي حصل الاستيلاء عليها بإرشاد فيليب في سنة 339 ق. م. ولو أننا درسنا خريطة تبين زحف الاسكندر لوجدناها عبارة عن سلسلة من خطوط منكسرة حادة الزوايا. ودراسة تاريخ هذه التعاريخ تبين أن لها أسبابا أبعد غورا من الحساب اللوجستيکي الخاص بحركات الجيوش وتموينها). نعم أن الاستراتيجية اللوجستيكية هي استراتيجية مباشرة لادهاء فيها. والسبب في ذلك على ما يظهر هو أولا أن الاسكندر في شبابه و بحكم تربيته في أبهة الملك كان نموذجا للبطل الهوميري (نسبة إلى هومير الشاعر المشهور) أكثر من غيره من

كبار قادة التاريخ. وربما زاد على ذلك أنه كان يقي من تفوق آلته (أي جيشه) ، و يحق له ذلك، ومن مقدرته على خوض غمار المعارك به الى درجة أنه لم يجد نفسه في حاجة الى البدء بزحزحة موازنة خصمه الاستراتيجية. أما ما تركه للأجيال اللاحقة من الدروس فينحدر في شيئين هما السياسة الحربية والتكتيك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت