الصفحة 104 من 408

وبصورة خاصة النمسا، فبالنسبة إلى هذه الدول، ليست القضية فقط مسألة استقلال ما، بل مسألة استقلال كل منها، بالنسبة إلى تجربتها التاريخية. إن الحرب التي تقوم إنكلترا بها تهدف إلى منع أوروبا من الوقوع تحت وصاية دولة ذات تطلعات عالمية، اما حرب النمسا فتهدف إلى تأمين استمرارية نظام اجتماعي. بالنسبة إلى إنكلترا، يجب أن تسمح الحرب بجمع والجماهير الكبرى، اللازمة لصد فرنسا أو لطردها (1) .

في سنة 1821، وفيما كان مترنيخ يحضر لمبدأ التدخل العام الذي يمكنه من دحر ما يعتبر بنظره خطر ثورة عالمية، ذکره کاستلري بأنه إذا كانت بريطانيا قد حاربت نابليون، فبسبب الضرر المباشر اللاحق بالمصالح المادية الإنكليزية، وليس من أجل إعلان غامض حول المباديء.

لهذا السبب، يسهل التحديد السلبي لأهداف السياسة الإنكليزية، أي أن القول بما ترفضه هذه السياسة أيسر من تحديد مراميها. إن القارة، إن وقعت تحت سيطرة دولة واحدة، تشكل تهديدا مميتا بالنسبة إلى إنكلترا .. وهذه تعي تفرد وضعها. والوعي هنا أهم من التفرد الذي يجعل من تحول البنيات الداخلية في دولة واقعة وراء المانش، أمرأ غير خطر بالنسبة إلى لندن، كما لو انتشر هذا التحول أو التغيير، بالقوة، خارج حدود هذه الدولة. وهذا تصور دفاعي للسياسة الخارجية، وهو يعطي إنكلترا دور بيضة القبان في أوروبة قائمة على توازن القوى. وبما أن هذا التوازن قد صيغ بتعابير سياسية أكثر منها إجتماعية، فمن المقبول أنه يرتكز على تجمع دول متساوية تقريبا في قوتها، لا على مبدأ الشرعية، وهدف إنكلترا، بعد محاربتها انتشار الثورة خارج حدود فرنسا، إقامة أوروبا مجتمعة تكون السيطرة عليها مستحيلة. أما النمسا وقد حاذت التمزق من جراء الثورة الفرنسية، فهي لا تستطيع الإحتهاء وراء العزلة الرائعة، بالإضافة إلى عوامل جغرافية وسيكولوجية أخرى، ولذا فإنها تحارب، مع غيرها من الدول القارية، من أجل أوروبة تجعل شرعيتهاء سيطرة رجل واحد أمرا غير معقول. أما الدولة - الثقل فلا تستطيع لعب دورها إلا إذا كانت الخلافات التي توقع

ـــــــــــــــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت