الشقاق بين الدول الأخرى أكبر في مجموعها من مجموع هذه الخلافات بالنسبة إلى سياستها هي، وينتج عن ذلك أن حلم إنكلترا المزعج هو تسوية سلمية قارية تستبعد هي منها، والمجتمع الذي يعارض باستمرار القوى التي تناهض خرافته (ما يؤمن به) يصبح مجتمعة مجمدة. أما حلم أوروبا المزعج فيسمى الثورة الدائمة (1) .
وهذا لا يعني أن الحكام الإنجليز لا يفضلون بعض البنيات الإجتماعية على غيرها عند جيرانهم في أوروبا. إن تفضيلهم مقياسه التوازن القاري، ومقدار استعداد الدولة المعنية في المساهمة به، ووزارة ليفربول هي إذا أكثر عداء من الحكومة النمساوية الدوام السيطرة النابوليونية. وشرعية آل بوربون لا دخل لها بهذا العداء المبني على الإيمان بأن أي سلم يعقد مع نابوليون لا يمكن أن يستمر. وفيما يلي تعليق كاستلري عندما علم بهرب نابليون من جزيرة ألبا: «إذا تسلط نابوليون مرة أخرى على مصائر فرنسا، فمن يضمن لنا أن أوروبا يمكن أن تعرف الهدوء والأمن والإستقرار؟ وهذا السؤال يستدعي سؤالا آخر أكثر حيوية: هل نستطيع أوروبا إقامة نظام أخلاقي يدافع عن مصالح البشرية أم أننا سنضطر، کا نفعل منذ عشرين سنة إلى الإستمرار في السياسة المسلحة؟ أوروبا المستقبلية هذه، هل تكون جمعة من الدول الحرة، أم أنها سنكون دولا تحت السلاح (2) ؟. وعندما يحارب کاستلري الثورة، فإنما يفعل، بعكس مترنيخ، لا لأنها ضد الطبيعة، بل لأنها تخل بالتوازن.
وقد أخطأت الإنتقادات اللاذعة التي وجهها الليبراليون إلى كاستلري لانها تعامت عن مقاصد رجل الدولة الإنجليزي. وكان في كل مرة لا يرى فيها خطر محدقة، يلتزم جانب الإعتدال والمصالحة، على الرغم من عدم تبنيه خطا وليبراليا. المهم أولا هو استقرار أوروبا (2) : إن معتقدات الدولة يجب أن تتنحى أمام استقرار العلاقات الدولية، ونحن لا نريد التمرد في إيطاليا، بل نريد قوة منضبطة بطبقها حکام نستطيع الإطمئنان إليهم» (3) . هكذا كتب سنة 1818 إلى اللورد بتن، الذي كان يسعى في ذلك الوقت لإعطاء أهالي صقلية الثائرين منافع الدستور الإنجليزي. وبعدها عرض مفهومه العقائدي من حيث أسبقية السياسة الخارجية على السياسة الداخلية، وأفضلية
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المسالة تعالج بشكل أدق في القصلين الحادي عشر والرابع عشر