فرنسا كوسيط حكم وهذا يقتضي استعدادها للحرب من أجل فرض شروط السلام الذي تقترحه، هذا دون أن يعي نابليون بأن المبادرة النمساوية في مالها هي ضد مصالح فرنسا كدولة وحيدة قادرة على تقديم التضحيات الضرورية. أما انكلترا وروسيا فعليها تسهيل محاولة التوسط، وأن تحددا، لا شروط السلم، بل أن توفرا الإطار العام الذي يمكن أن يبرر المبادرة النمساوية. أما الثمن الذي تفرضه فيينا لقاء مساهمتها في الصراع فإسمه الشرعية، وبعد هذه المقدمة مختلف مضمون التعليمات. فتلك التي حملها وسنبرغ إلى لندن هي دعوة إلى التفهم، وعرض لطبيعة العلاقات بين دولة جزيرية ودولة قارية: «ان نظامنا السياسي لا يستطيع فهمه أولئك الذين يفضلون التسرع على القرارات الموزونة بروية، والحالمون الذين يجهلون مواردنا وعلاقاتنا مع الدول الأخرى، فيتلهفون على رمي أنفسهم في المعمعة ... وفي الأزمة الحاضرة، إن شاغلنا الأساسي هو اضطرارنا، في وضعنا الذي نحن فيه، إلى مقاومة نقل العمليات الحربية نحو وسط دولنا، وبكل ما تملك من وسائل ... وتحويل حرب الشمال إلى حرب جنوب،،، يخفف عن نابليون عبء متابعة المعركة في أرض منهوكة. ومرة أخرى سوف يكون سيد الموقف، فإذا نظرت انكلترا إلى المصالح التي تربطها بالقارة، وإذا عرفت كيف تقدر قيمة ... التوازن الأوروبي، عندئذ تعمل على الحفاظ على الدولة الوحيدة القادرة على لجم مطامح روسيا وفرنسا بآن واحد ... وعليها أن لا تنظر إلى النمسا كدولة مصيرها الإنهاك في هذا الحين الذي لا شيء فيه يضمن النصر الحاسم. والذي يكون فيه للفشل أسوا النتائج .... إننا نفقد كل مغانمنا من وضعنا الوسط ... إن نحن لم نتسمك بالنظام الحالي (1)
وإذا كانت التعليمات التي حملها وسنبرغ تتلخص بالدعوة إلى التفهم من جانب انكلترا، فإن التعليمات التي حملها لبزلترن ترمز إلى الحذر من عشر سنوات من سياسة روسية غامضة (2) . ويشير مترنيخ إلى أن الفرق بين روسيا وانكلترا هو أن الثانية أجدر بالثقة من الأولى، والانتصارات المدهشة المثقلة بالنتائج والتي حققها الروس مؤخرة لا يمكن إلا أن تقوي فيهم الميل إلى الحماس الورعي الذي هو ديدن بلاط روسيا. وغني عن القول أن عدم الاستقرار في المزاج الروسي يمكن الدبلوماسية ذكية أن تستغله. ومع ذلك يجب عدم التقليل من أهمية الخطر المائل في شهوة السيطرة لدى الروس، وفي
ـــــــــــــــــــــــــــــ