يحرم المفاوض من سعيه إلى الإختيار الحر، وهو الحجة الأكثر فعالية المتاحة خلال كل عملية مساومة. وقد ثبت هذا من مثال المفوض البروسي المطلق الصلاحية الذي قيد يديه الانفجار الوطني الذي قام به مواطنوه عندما وصل إلى كاليز. ولما كان القيصر مترددا بشأن المسألة البولونية، فقد وقع على التحالف، داعيا ملك بروسيا، مباشرة إلى إثبات حسن نيته. بل إن إندفاعه الحماسي في التزامه ح من خيار بروسيا.
ولم تكن النمسا، من جهتها مستعدة للاكتفاء بالكلام كما أن التهديدات الثورية لم تكن لتهمها أيضا. وقد سبق لمترنيخ أن صرح بهذا الشأن: «أن الدفاع عن الحضارة بكلمات تنفجر كفقاقيع الصابون عند النظر إليها من قريب ? لا يؤدي إلى شيء ملموس، وعلى لبزلترن أن يحرص على أن يتكلم القيصر بشكل ملموس)
وزيادة على التعليمات المعطاة للمبعوث النمساوي زود بكتابين مرسلين من عاهله إلى القيصر، ولم تكن لهجتها الودية لتغطي انعدام أي اقتراح معين، فقد بدا منها بوضوح أن النمسا لن تتورط لقاء وعد مبهم بصليبية أخلاقية. وكان على لبزلترن أن يلتزم بنفس الموقف المتحفظ بعد أن أفهمه مترنيخ أن مهمته تقتصر على استقبال المفاتحات والمكاشفات. وبعد أن تضايق القيصر أخيرة، سأل في 8 آذار ما هو مطلب النمسا بالضبط. فأجابه لبزلترن ببرودة بأن على رومانوف أن يقدم بعض المقترحات العامة التي على أساسها يجري التفاوض. وتسترد النمسا كل ممتلكاتها القديمة. أما بروسيا فنكون مستقلة وتزاد رفعة أرضها. وتتحرر المانيا من النير الفرنسي. وأخيرة يعود آل هبسبورغ إلى امتطاء عرش الأمبراطورية المقدسة.
وما لم تستطع بروسيا الحصول عليه بالإصرار، ها هو يقدم إلى النمسا عرضا من جانب روسيا. فهي لا تضمن لها فقط أراضيها السابقة، بل تغطى ممتلكاتها القديمة. وأما مطامح القيصر في بولونيا فملجومة، إذ أن هذا الأخير قد تنازل تلقائية، في جوابه، عن القسم النمساوي من بولونيا، ولم يبق إلا بعث الأمبراطورية الجرمانية المقدسة، وهذا أمر لا يهم مترنيخ، فقد صرح أمام هاردنبرغ، موفد الهانوفر، بأن الملوك الألمان بعد أن تذوقوا طعم الاستقلال الفعلي، لن يقسموا يمين الولاء للنمسا إلا ليهدموا قوتها تماما. وإذا كان نابليون قد منع تفتت کونفدراسيون الرين، لأنه صنيعته، فما ذاك إلا لما اشتهر عنه من أنه لا يقهر، ومن تهديده باستعمال القوة. أما النمسا، بعد أن أصبحت لا تزن ثقيلا بالنسبة إلى فرنسا، فهي لا تستطيع أن تتعرض للمخاطر المستقبلية المسلحة مع أمة يدعمها الأمراء الألمان الغاضبون. وألمانيا المكونة من دول مستقلة تجمعها المحالفات