الصفحة 164 من 408

ومهما كانت حرب سنة 1809 مدمرة على الصعيد المادي فإنها قد قوت الموقف الأدبي للنمسا. إذ أنها عززت علاقتها مع فرنسا، الأمر الذي زرع بذور الشقاق بين نابليون والقيصر، ثم عقب مترنيخ بخلاصة للعوامل الأخرى التي أحدثت التوتر بين فرنسا وروسيا، ثم بتقرير عن بدء الأعمال الحربية، وعن الجهود النمساوية قصد منعها. وكل ذلك ينتهي إلى الإقتراح التالي: إن إنكسار فرنسا قد قلب مجموع التوقعات، ولا بد من إقامة توازن جديد. لقد قدمت النمسا وساطتها لسبب وجيه هو أنه ما من دولة تحتاج أكثر منها إلى إعادة التوازن. إن موقعها الجغرافي، يحكم عليها فعلا بالاجتياح عند كل حرب حيث أن مطلق دولتين لا يمكنها التصادم إلا على حسابها.

وتظاهر مترنيخ الأن بالبساطة، فكتب: في اللحظة التي حملت فيها النمسا وساطتها إلى نابليون، حدث حادث مفاجيء بقدر ما هو عظيم الأهمية الا وهو تحالف بروسيا وروسيا. وهو بدلا من أن يشجب المبادرة البروسية، يرى فيها، في كل حال، النتيجة المنطقية لألام بروسيا منذ 1809 فضلا عن ذلك، وفي حال قيام نابليون محاولة العودة إلى وضع متقلقل، بقهره حليفه في الأمس، فإنه يربط بين مصيري بروسيا والنمسا، «إن مسلكية الدول الأوروبية تختلف تبعا لموقعها الجغرافي، أن فرنسا وروسيا ليس لهما إلا حدود واحدة تدافعان عنها، وحدود هذه الأخيرة ليست ضعيفة. ونهر الرين بما عليه من زنار ثلاثي من القلاع على جوانبه يضمن أمن فرنسا؛ والطبيعة الرهيبة تجعل من نهر النيمن حدودا آمنة بالنسبة إلى روسيا في الطرف الأخر نتعرض النمسا وبروسيا، من جميع الجهات لأي غزو محتمل من جانب الدول المجاورة. وهما مهددتان دومة بقوة كل من فرنسا وروسيا، ولذا فإن أمنهما مرهون قبل كل شيء بالسياسة الحكيمة القائمة على التفكير وعلى الإعتدال وعلى حسن علاقات الجوار المتبادلة مع الدول المجاورة. وفي المدى البعيد ليس لها من ضمان الاستقلالها إلا قوتها الذاتية، وكل ضعف في إحدى الدول الوسطى يهدد الأخرى بذات الخطر.

وعلى الرغم من لهجتهما المتزنة فإن هذه البرقية فيها الكثير من التحدي کا فيها تحديد للحدود التي لا يمكن تجاوزها. وإذا كان تحليل مترنيخ صائبة فإن الحرب التي بعدها نابليون لا معنى لها، وإذا كانت بروسيا بحاجة إلى الحماية وإلى التقوية بقدر المستطاع، فإن الجملة الصغيرة المتعلقة بحدود الرين ليست صورة من صور البلاغة إنها تعرف الحدود التي يجب أن لا تتجاوزها الدولة الفرنسية التي تريد السلم في أوروبا. ثم أن التعليمات الموجهة إلى شوارزنبرغ فيها تنبيه لنابليون حتى لا يغرق في الأوهام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت