الصفحة 18 من 408

أليس هناك تشابه - ولا أقول تماثلا - بين الفترة التي ظهر فيها نابليون في بداية القرن التاسع عشر، والفترة التي ظهر فيها هتلر في الثلاثينات من القرن العشرين؟

1 -إن أكثر العصور بحثا عن السلام هي أكثرها تعرضا للقلق، لأن السلام ليس هدفا في حد ذاته، ولكنه ينشأ كنتيجة لقيام نظام دولي مستقر، واذا أصبح السلام هدفا في حد ذاته فإن المجتمع الدولي سوف يجد نفسه تحت رحمة أكثر اطرافه عنفة، لأن الأطراف الأخرى سوف تحاول تهدئته بأي ثمن - صيانة للسلام - وهذا يؤدي في الحقيقة إلى عدم الإستقرار وضياع الأمن الدولي.

2 -إن الإستقرار الذي يصنع السلام لا يجيء إلا نتيجة الرضى بشرعية دولية مقبولة تصونها ترتيبات عملية واتفاق على الوسائل والأهداف المسموح بها في السياسة الدولية. وهذه مهمة الدبلوماسية

3 -ليس هناك انفصال بين الدبلوماسية والقوة المسلحة، لأن الدبلوماسية ليست مباراة على مائدة المفاوضات بين رجال مهذبين، وانما هي حوار بين مصالح متعارضة تستند كل منها إلى رادع حقيقي يحميها ويفتح طريقها، ولا بد من التوفيق بينها، وقد عبر كيسنجر عن ذلك في النهاية بقوله «هناك زواج بين الدبلوماسية والقوة المسلحة، وليس بينها طلاق!

كان و مترنيخ، في رأي كيسنجر قد نجح في اقامة شرعية نظام ما بعد نابليون، وحصل على سلام المائة عام، وكان يمكن لأي قاريء مدقق أن يلمح من خلال رسالته عن العالم الذي أعيد بناؤه - أن السؤال الملح عليه هو: ما هي الأسس والوسائل التي يمكن أن تقوم عليها شرعية نظام ما بعد هتلر؟

كان التاريخ في تقديره معملا للمستقبل. تجربة اكتملت ... تنير الطريق إلى تجربة ما زالت في دور التشكيل.

وخطا كيسنجر بعد ذلك خطوة أخرى.

وإذا كان الحاضر لا يكرر الماضي ولكنه قد يتشابه معه ... واذا كانت مهمة المؤرخ أن يعرف ويحدد أوجه التشابه والخلاف. فكيف يستطيع كيسنجر أن يقوم بدور المؤرخ الحقيقي بالمعنى الذي يفهمه؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت