الصفحة 180 من 408

تحركاته مع تحركات القوات الفرنسية؟ وها هو نابليون يثبت مرة أخرى أنه سائر في سياسة الأوهام». هذه هي العبارة التي صرح بها مترنيخ إلى هاردنبرغ. وكان من الواجب استغلال خطا الخصم، فمذ أن حاول نابليون أن يحول النمسا إلى شريك کامل اقر بأن حلف السنة السابقة لم يعد قائما. وإذا لم يكن بالإمكان إقناع امبراطور النمسا برفض الوضع القائم، حتى من أجل استرداد أرض مستلبة، فإنه سوف يعارض

حتما كل محاولة ترمي إلى تسليحها لصالح صهره. ومن جهة ثانية، إذا هو لم يوافق على استنفار جيشه لكي يفرض احترام سلم قائم على التوازن، فإنه يقبل بهذا الاستنفار كدليل على الاحتجاج ضد طلب المساعدة غير المعقولة.

وبهذا المعنى صرح مترنيخ أمام عاهله: «منذ الآن، أصبح كل شيء متعلقة بنا. يجب أن نجد بأنفسنا الوسيلة التي تمكننا من استغلال الظرف العجيب الغريب الصالحناء.

والمبارزة التي جرت عندئذ بين مترنيخ وناربون، حتى ولو البست الهجمات والخدع لباس اللطف والرهافة، فإنها كانت صراع حياة أو موت. ومع ذلك فقد كان المكسب النفساني هذه المرة في صالح النمساوي. إن انتصارات نابليون الأولى تعزي إلى عدم كفاءة خصومه في إدراك ضخامة أهدافه، في حين أنه هو كان يعلم بقصر نظر الخصم. اما تفوق مترنيخ الحالي فهو ناتج عن معرفته كيف يقدر حدود القوة النابليونية، في حين كان خصمه يؤمن دائما بتفوقه. في سنتي 1800 و 1809 انتصر نابليون لأن أهداف خصومه كانت محدودة. في سنة 1813 غلب على أمره لأنه

ظل يتصرف كما لو كانت قوته لا تحد. وهكذا حصل تبادل في المواقف بين الخصمين المتصارعين. هذه الحركية المتفوقة التي تسببت لنابليون بالمجد، والتي لم تكن في الواقع إلا المقابل لجمود الخصم، انتقلت الآن إلى مترنيخ، وفي حين اقتصرت حركية الفرنسي على ساحات الحرب، تناولت حركية النمساوي كواليس القصور والوزارات. وكما أن سرعة حركة نابليون قد أذهلت خصومه الذين صرحوا بأنها «مستحيلة» عملا بأصول اللعبة، فإن رشاقة مترنيخ سوف تعزل الآن ذاك الذي يحتقرها. إن نابليون يلعب رصيده حول حقيقة قوته، في حين أن ميترنيخ يعتمد على خيالية هذه القوة.

ولم تكن قرارات ميترنيخ قائمة على مجرد فكرة معقدة تحركها، بالرغم من أنه يتفاني في سبيل هذه المهارة، بل اختيار عاقل للأسلحة التي يجب استعمالها. وكلي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت