على التفكير، إن الإلحاح الفرنسي حمل الأمبراطور على اتخاذ الموقف الوحيد اللائق به وهو موقف الجمود المطلق. لقد نبهه التقرير الذي قدمه إليه ميترنيخ عن حديثه مع ناربون، فأصدر أمره بجعل جيش بوهيميا خمسة وثمانين ألف رجل. وبعدها صرح للسفير الفرنسي بأنه من الصعب عليه مهاجمة روسيا في حين أنه ينصب نفسه كوسيط. ثم أضاف أن التحالف الضيق، المعقود مع فرنسا لم يعد يطبق في الظرف الراهن. فهل پريد نابليون أن يرى في هذا نقضأ للمعاهدة؟ عندئذ يصبح قطع العلاقات فعلته. أما هو بضيف أمبراطور النمسا، فهو مستعد للأستمرار في سياسته بدعم من مائتي الف رجل.
ومرة أخرى عاد ناربون يحاول، ولكن زمن الأوهام قد ولى. في 29 نيسان قابل ميترنيخ من جديد وأخبره بأن نابليون قد التحق بجيشه، وهذا يعني أن نصرأ ما يحضر. فهل يتغير بعدها موقف النمسا؟ وأجاب ميترنيخ ببرودة بأن هذا الموقف لا يرتكز على فرضية الانتصارات، بل على هزائم الحلفاء، وأن هذه الهزائم تدفع بالنمسا إلى مضاعفة الجهود. وفي أول أيار، سلم جوابه النهائي على المطالب الفرنسية، وكان الجواب يعلن أن النمسا تعتبر نفسها بطلة التوازن الأوروبي: «إن أمبراطور النمسا قد اعتمد الموقف الأنبل ... موقف الوسيط. وبما أنه يريد الغاية فهو بالتالي يريد الوسيله. وهذه الوسيلة هي الحياد المطلق وتكوين قوة مؤثرة. ان الامبراطور يبغي السلام ولا شيء غيره، وليس بوسعه، أن يدعم سبل السلام بقوى هزيلة، وهو سوف يحارب أعداء مصالح فرنسا، لأن هذه المصالح لا يمكن أن تنفصل عن مصالح امبراطوريته هوه، بهذه النصائح الطويلة حول السلم المهدد انتهى ميترنيخ إلى تحويل النمسا من حليفة لفرنسا إلى وسيط مسلح. وعلى الرغم من غموض جوابه إلى ناربون، فإن هذا الجواب لا يترك أدنى شك حول موضوع الأهداف النمساوية الحقيقية. أن الوساطة النمساوية ليست موجهة ضد فرنسا لأن هذه تشكل حلقة ضرورية في سلسلة التوازن الأوروبي. وعدو المصالح الحقيقة لأوروبا. وبالتالي مصالح فرنسا والنمسا ? هذا العدو هو نابليون. وتقديم الإثبات على هذا الزعم هذا ما سوف يقوم به مترنيخ الأن.