الصفحة 190 من 408

ذلك إلى جهود النمسا، وهذا التقدير للأوضاع ليس فيه ما يخيفنا. لقد مررنا في السنوات العشرين الماضية بتجارب كافية، ولا عذر لنا إن نحن وقعنا في الأوهام حول القوة اللازمة لنا، أو إن لم ننظمها قبل دفعها إلى المسرح >

هكذا تبلورت سياسة دولة قديمة اكتسبت الحكمة من جراء الحماس المنتهي إلى خيبة الأمل. لقد أدت بها الأحلام الضائعة المتعددة إلى الحذر، واتعبتها المعارك العديدة العديمة الجدوى. هذا الهامش الضيق من الأمن المتاح لها، لا بد لها من المحافظة عليه بالحسابات الدقيقة، وعليها أن تستفيد من موقعها الجغرافي المتوسط، الذي كثيرا ما جلب لها الغزو الأجنبي، بأن تستخدمه لكي تؤمن لنفسها حرية عمل أكبر ما تكون. إنه لمبدأ جديد إذا ذاك الذي يقضي بأن الدولة الأكثر تعرضا يجب أن تحول الضرورة إلى فضيلة، وأن تستغل حاجة الأخرين إليها في ساعة المحنة، لكي تؤمن لنفسها عزلة مؤقتة، وما يؤمنه الوضع الجغرافي المحصن للأمم الأخرى المحظوة، يجب عليها هي أن تؤمنه بلباقة دبلوماسيتها، وفيما كانت النمسا تجمع قواتها كان مترنيخ بحبك شباكه العنكبوتية بفن خالص الدقة بحيث بدت كل الأبواب مشرعة أمام بلاده، في حين كان يندفع خطوة خطوة نحو معسكر الحلفاء. ومن العجيب أن يكون الأخير في ظهوره على المسرح، بعد أن تورطت كل الدول الأخرى، ما عدا الأمبراطورية النمساوية، وأن تكون هذه هي الدولة الوحيدة التي استنفرت جيشها في حين أن السلم يخيم داخل ربوعها.

وإن نجاح هذه السياسة يتعلق بعنصرين: تقدير صحيح لقوة الفرقاء النسبية وفعالية الدبلوماسية، ومترنيخ بعد اقتناعه بأن أيا من المعسكرين لا يستطيع الانتصار الحاسم على خصمه بدون معاونة النمسا، اعتبر هذه الأخيرة الدولة القطب. واستطاع أن يترجم هذا الرأي الى الوقائع لأن بلاده هي الوحيدة الجديرة برسم دبلوماسية خاصة بها. فعلاقات فرنسا بحلفائها هي علاقات ثورية. ومذ أن وضع أساس الشرعية موضع التشكيك في باريس، حتى أصبحت كل دبلوماسية نافلة فيها. أما النمسا فنستطيع أن تجد مجالا للتفاهم حول مسألة الشرعية مع كل دولة من دول المعسكرين المتخاصمين. فهي تتكلم مع الحلفاء حول ضرورات التوازن الأوروبي، ومع نابوليون عن روابط الدم ويجب الاعتراف هنا، أن كل حذلقات مترنيخ ما كانت لتصل إلى هدفها لو لم يهدهد نابليون نفسه بالاحلام. وأسوأ كارثة كانت بالنسبة إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت