الصفحة 198 من 408

يخشى من تصلب الحلفاء تصلبا يمكن نابليون من استقطاب جميع الفرنسيين حوله ثم من استعانته بامبراطور النمسا وانحصر النقاش فعلا في هدف الاجتماع المقبل، وإذا كان المشتركون موافقين على الوصول إلى اتفاق، فعليهم عندئذ أن يفتحوا أبواب المزايدات على مصراعيها أما إذا كان هدف الاجتماع تبيين استحالة أي اتفاق، فإن المطالب المقدسة يجب أن تكون من أكثرها تواضعة. من الممكن دائما التفاوض في ظل نظام استقرار دولي. أما في زمن ثوري فمن المستحيل التراجع عن مطلب سبق الإعلان

وإذا كان الظرف الدولي يتميز بالإستقرار، فالاجتماع الدبلوماسي من شأنه تقريب وجهات النظر في ما بين الفرقاء المشتركين. أما إذا كان الوضع ثورية، فإن هدف الاجتماع يكون سيكولوجية: إذ يجب تبرير العمل بسبب. وعندئذ يوجه الكلام اولا إلى أولئك الذين لم يلتزموا بموقف. ومن يتقدم بأدنى المطالب، في حال الإستقرار، يحرم نفسه من المكسب الذي توفره المرونة أثناء المفاوضات التي تعقب ذلك. أما تقديم مطالب مسرفة مرفوضة حتمأ من الخصم فإنه يعني تأزيم المصاعب الرئيسية في زمن ثوري: إذ يتوجب عندئذ إقناع غير المتورطين بأن الدولة الثورية هي هكذا، وأنها لا تستطيع وضع حدود لمطامحها. وهذا يعني ترك الخصم يستفيد من الدعوة إلى الإعتدال دون أن يتعرض إلى خطر تطبيق هذا الإعتدال على الواقع. ولما كان العنصر غير المتورط، في أيار 1813 هو النمسا بالذات. وإذا كان مترنيخ بريد، لأي اجتماع أن يثم، فما ذاك إلا لإعلام امبراطور النمسا بالطبيعة الأكيدة لأهداف نابليون.

فهل كان تحليل ميترنيخ سليما؟ إذ كل شيء يتعلق به بهذا التحليل في النهاية. ولو أن سياسة نابليون تميزت بمرونة كاملة لأمكنه أن يشل مترنيخ بمجرد قبوله بالمطالب المعتدلة التي قدمها هذا. وعندما يتعلق الأمر بالدبلوماسية فإن الهواة وحدهم ينهارون أمام وهم المرونة الخالصة. فتأسيس سياسة ما على الفرضية التي تقول بأن كل الممكنات تتواجد معأ، إن ذلك يعني الخلط بين فن الحكم والرياضيات. ومنذ الحين الذي تستحيل فيه مواجهة أي احتمال، تؤدي الفرضية التي تعزو إلى الخصم المرونة الكاملة، إلى عدم القدرة على العمل لمواجهته. أما ذاك الذي يعرف كيف يقدر خفايا السياسية، فإنه يعلم بأن أية دولة لا يمكنها التنكر لمفهومها لمعنى الشرعية». كما لا يستطيع أي فرد أن ينكر مبرر وجوده، والإستحالة هنا ليست فيزيائية بل سيكولوجية،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت