الصفحة 216 من 408

كحكم اعلى على التحالف. ولم تكشف عن مشاريعها الضخمة، كما أنها لم تستعن بأحلام الأجيال الصجرة المتحفزة. لقد بعت بنبوغها لا في التجديد، بل في البحث عن التوازن، وفي التنسيق بين كل عناصر الوضع بصورة موضوعية. واستطاع مترنيخ، منطلقا من لزوميات الوضع الجغرافي للنمسا ومن هيكلياتها الوطنية، أن يقيم تحالف على اساس تقديس المعاهدات وعلى اساس شرعية الحاكمين. وحول النمسا من حليفة الفرنسا إلى عدوة لها. وذلك بموافقة نابليون على كل مرحلة من مراحل العملية. ولم تعد الحرب حرب تحرير قومية بل صراعا مسلحا يقرره وزير باسم التوازن وتبرره ظاهرية مبادرة القيصر، وشكل مترنيخ جيشه تحت أنف الفرنسيين وها هو يستعد للدخول في حرب تجعل السلام المقبل ملائما للخصوصية النمساوية، بموافقة الامبراطور أيضأ.

مثل هذه السياسة الا تتنكر لأي مبدأ أخلاقي؟ للفلاسفة أن يتخاصموا حول هذه النقطة، اما رجال الدولة فبإمكانهم الاستفادة منها. لا نستطيع أية امبراطورية قديمة، بعد خروجها من حربين مدمرتين ومشقة، أن تهتم بالإصلاحات في حين أنه يتعين عليها أن تصارع من أجل وجودها بالذات. ورجل الدولة لا يستطيع اختيار خط سياسي كما لو كانت كل السبل مفتوحة أمامه بيسر. والنمسا كدولة متعددة القوميات لا تستطيع أن تقوم بحرب قومية، فماليتها المنهكة لا تمكنها من حرب طويلة. وكانت (روح العصر) تتنافى مع بقاء امبراطورية متعددة اللغات، بكل تأكيد، ولكن كيف يمكن الطلب إلى مثل هذه الامبراطورية أن ينحر وطنه عملا بمبدأ سياسته , من المؤكد أن مترنيخ لم يكن ليختار سبيلا آخر حتى ولو كانت هيكليات النمسا أقل جمود وتصلبأ. إن نجاحه يقوم على التوفيق بين قناعاته ولزوميات الوضع النمساوي وهذا يعني أن مترنيخ لا يستطيع أن يكون منافقأ حتى عندما تكون معتقداته الراسخة في خطر.

إن روح سياسة مترنيخ وشكلها يعبران تماما عن خصوصية النمسا. فهذه الامبراطورية لا يمكنها أن تتورط في حرب صليبية، لأن مثل هذه الحروب لها أبعاد کونية، في حين أن الإستمرار في البقاء يتعلق بقبولها بوجود حدود، وبان المعاهدات مقدسة بعد ما يتم توقيعها، وبأن الشرعية لا تحتمل النقاش. والقرارات الموزونة بعناية، والحسابات التي يغيب عنها الهوى، والمناورات الماكرة، كل ذلك يعني تمني مجيء عالم تزول منه كل نزعة كونية، وكل سلطة متفوقة مهما كانت. إن سياسة النمسا لا تستطيع أن تستمد قوتها من الشعور القومي، بل يجب عليها أن تستبدله بالجلد وبرهافة دبلوماسيتها إن أرادت النجاح لنفسها. قليلة هي الحملات الدبلوماسية التي تدلل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت