واقترح العودة إلى المفاوضات في شاتيون، وطلب إلى مينرنيخ أن يعلم خطية كولنكورت بأن الحلفاء مستعدون لتوقيع هدنة مقابل قبول فرنسا بحدودها القديمة. وتعهد بتأمين موافقة القيصر على هذا البرنامج. وهكذا وجد کاستلري نفسه بعد ستة أسابيع من إبحاره باتجاه القارة، وهو يحلم بأوروبا متحدة ضد السيطرة الفرنسية، ومستقرة بالتعاون الانكليزي الروسي، وجد نفسه في المعسكر المعارض للقيصر، في معسكر أنصار التوازن الأوروبي.
وعلى هذه الوقائع اختلف الوزير الإنكليزي والقيصر، خلافا شديدا خلال محادثة كانت الأولى في سلسلة من نوعها. وأصر الروسي على عزمه على الإندفاع نحو باريس، وعلى جمع أعيانها، وأصر أيضا على حذره من آل بوربون وانزعاجه من الجبن النمساوي. وأجابه کاستلري بأنه من غير المعقول أن يكون طرفا في حرب أهلية تقع فيها بين الفرنسيين، وأنه من الصعب استخلاص رغبة هؤلاء، وأن أي مشروع بدون هدف، لا يمكن أن يكون إلا خطرة. وبدا القيصر متشبثا لا يلين، خصوصا وقد علم أن الرأي العام الإنكليزي يعارض معارضة شديدة الصلح مع نابليون، وأظهر لمحدثه كتابا من سفير روسيا لدى بلاط انكلترا، يعلمه فيه بأن هذا الموقف يشاطره فيه اللورد ليفربول نفسه، ورغم ذلك ظل کاستلري على موقفه. وأجاب القيصر بما يلي: المشية مع المسؤوليات الملقاة على عاتقي أراني مضطرة إلى بناء قراراتي، على حكمي فقط، ولن أخضع أو أتأثر بتمنيات مزعومة الشعب انكليزي يجهل كل حقائق وضع، مهمتنا هي معالجته.
إن قوة كاستلري، وضعفه أيضا بارزان هنا. إنه يتحمل مسؤولياته بشجاعة. وهذه المسؤوليات لا تجبره على أن يكون منفذة ميكانيكيا للارادة الشعبية بل تحمله على تقدير المصالح والأحوال التي لا يمكن إلا أن تخفى على العامة. أما نقطة الضعف عنده، فهو أنه يرفض، أو أنه غير قادر على تكييف مواطنيه سيكولوجية. إن سياسة أمثال کاستلري هي شجاعة بمعنى أنها ترفض الحلول السهلة، ولكنها تؤدي إلى عزلة مأساوية للشخص الذي يقوم بها. وها هو بعد أن عجز عن إقناع غيره برأيه، يضطر إلى السير منفردة وحيدة.
وإذا كانت مهمة كاستلري قد فشلت في غايتها المباشرة فقد تيسر لها أن تنجح في عزل روسيا، ونتج عن الأجوبة التي صدرت على أسئلة مترنيخ نوع من التحالف ضد روسيا داخل الحلف الكبير بالذات. لا مجال للتردد، هكذا استنتج الوزير