الصفحة 328 من 408

معاصريه: نفس المرح ونفس الرهافة بالاضافة إلى فكر أكثر لذعة. وكلاهما ربيب القرن الثامن عشر، نبيلان عظيمان تورطا في نزاع وجداه فظا بل نذلا. وكلاهما كان ارستقراطية بما يكفي بحيث أنها لم يكتفيا بالاهتمام بمضمون عملها، بل بشكله أيضأ. وكلاهما يتساوى أمامها سلام العالم مع الإتزان ومع حفظ الإعتبارات وانسجامها.

إلا أن هذه الصفات المشتركة لا تخفي ما بينها من فروقات أساسية، إذ لم تحتضن تاليران جنية رحمانية. ولم تتح له الفرصة لكي يعيش منسجما مع نظام القيم التي يؤمن بها.

والسلوك الأرستقراطي ليس وليد معتقد بل هو وليد الواقع. وتاليران في جميع الأحوال يرى أن الكمال الشخصي يتنافى دائما مع الاستمرار والثبات. لقد وجه تاليران في صغره، رغما عنه نحو الكنيسة وما أن أصبح أسقف أوتون حتى ترك حضن الكنيسة خلال الثورة، وبعد أن ابتعد عن الثورة عينه نابليون في الشؤون الخارجية. وها هو الأن والجيوش الحليفة تسير نحو باريس، بعمل لرجوع البوربونين. وبالطبع من الممكن العثور على نوع من التماسك في سلوكه، واعتبار تقلباته السياسية كمحاولة التلطيف تجاوزات معاصريه. ولكن من يستطيع لوم هؤلاء عندما يحذرون شخصه؟ فهم لا يستطيعون الحكم عليه إلا من خلال أعماله، لا من خلال تفسيراته. ولو أن العصر كان أقل اضطرابا لكان من المؤكد أن مواهب تاليران تجد لها مخرجة أكثر كلاسيكية. وللخروج من الاضطراب ليس هناك غير وسيلتين: الترفع أو الإنزلاق مع الموجة العامة. الرجوع إلى المبادئ الكبرى أو الإستسلام لألاعيب الرجال، وإذا لم يكن كيان تاليران التاريخي بالمستوى الذي كان يجب أن يكون عليه. فما ذاك إلا لأن الرجل لم ينفك يكيف تصرفاته وفقا للمزاج السائد لدى معاصريه، وإلا لأنه لم يلتزم إلتزاما لا رجعة فيه. مضحية بمستقبله ومصالحه الخاصة. وقد يكون من الممكن أن يكون منطلق موقف مترنيخ رغبة صادقة لديه في القدرة على التخفيف من صدمة الأحداث. ومع ذلك يجب أن نظهر تساهلا مع أولئك الذين لا يرون في ذلك إلا وصولية، خصوصا من قبل من هم لا في العير ولا في النفير، وكان أمضى سلاح تاليران، هو ذكاؤه وفراهته في المناورة، وبراعته في التلاعب في مباديء الآخرين وفي صياغة العبارة التي توصل إلى الغاية المتفق عليها.

ومهما كانت المآخذ على رجل السياسة، فإن باريس ذاك الربيع من سنة 1814 كانت المجال المثالي حيث يستطيع أن يمارس كفاءاته الخاصة. كان القيصر قابعة على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت