الصفحة 332 من 408

ثانية، بحكم كونها تتعلق إلى حد بعيد باعتراف الدول الأجنبية بها، فإن شروط الصلح التي يمكنهم الحصول عليها تعكس مكانتهم الدولية. وعندما تبدأ المباحثات فيما بين الحلفاء، فإن التوازن الأوروبي الوحيد لن يكون هو مدار البحث بل توازن فرنسا.

بالرغم من أن الدول تتقاتل بإسم السلم، فهناك ميل لتعريفه بأنه انتفاء الحرب، وهو يقرن دائما بالإنكسار العسكري. ومن غير اللائق تقريبا البحث في شروط السلم فيما الصراع قائم. إذ أن القبول بأن لكل حرب غايتها يوشك أن يثبط الهمم عنها وهنا لا مجال للمفاجأة أو للطاريء العارض. إن منطق الحرب هو القوة، والقوة لا تعرف الحدود المسبقة، ومنطق السلم هو الاتزان، والإتزان يقتضي وجود الحدود. ونجاح حرب ما، نهايته النصر، أما نجاح السلم، فنهايته الاستقرار ويرتكز شرط النصر على الإندفاع.، أما شرط الاستقرار فهو الإنضباط. ومبرر الحرب خارج عنها: خوف من عدو، أما مبرر السلم فضمني فيه: توازن القوى والقبول بشرعيته , والحرب بدون عدو محال. وهي إذا تقوم على خرافة العدو، وعندها يصبح السلم هدنة. والمحارب قصده العقوبة والقصاص. ورجل الدولة غايته البناء. وإذا استطاعت القوة الوحشية أن تحسم الأمر حالا ومباشرة، فإن فن الحكم يجب أن يهتم بالمستقبل.

هذه العوامل التي لا يمكن قياسها تمثل المشاكل الخاصة التي تعترض سبيل التسوية السلمية التي تعقب الحرب الشاملة. واتساع المأسي يحدو بالناس إلى تمثل هذه الحرب وكأنها معادلة شخصية، والعدو يصبح سبب التعاسة، وهزيمته تعتبر دليل الإنتقام، وكلما ازدادت الآلام كلما اعتبرت الحرب غاية في ذاتها، وقواعدها تطبق على معاهدة الصلح، وكلما ازداد الإنغماس في الحرب كلما أصبحت المطالب المسرفة

طبيعية، والآلام تثير الوعي أكثر من الإهانة كما لو أنها دليل على حسن النية أو لو أن الأبرياء هم الذين يتألمون فقط. وكل تسوية سلمية تطرح مسألة مصير العدو کا تطرح المسألة الأهم، وهي معرفة ما إذا كانت مأساة الحرب قد جعلت وجود عالم بدون عدو

أمرا ممكنا.

الصلح هل سيوجه بعد ذلك نحو الماضي أم نحو المستقبل، كل شيء يتعلق بالتماسك الاجتماعي للدول التي تفرضه، وبقدرتها على إقامة مبرراتها الذاتية فالصلح المرتد إلى الوراء يقضي تماما على العدو بحيث لا يمكنه أن يعود إلى السلاح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت