ثانية. أما الصلح المستقبلي فمن شأنه أن يقضي على رغبة هذا العدو في القيام باعتداءات جديدة. والصلح المرتد هو تعبير عن مجتمع جامد يتعلق بحقيقة واحدة هي الماضي وهذا الصلح يمنع قيام أية تسوية سلمية من أن تستجمع صفة الشرعية، لأن الأمة المغلوبة، ما لم تجزا وتقشم لا ترتضي مثل هذه الإهانة. وفي هذه الحالة هناك شرعينان تتزاحمان وتتعايشان: التدابير التي تتخذها الدول المنتصرة بعد التشاور فيها بينها، وهناك مطالب الدولة المغلوبة. وفي هذه الحال القوة وحدها أو التهديد باللجوء إليها يمكن أن يحسم الوضع، والصلح المرتد يولد وضعة ثورية من جراء سعيه الحثيث وراء استقرار قائم على الأمن ومن جراء إيمانه الخرافي بعدم وجود أسباب ضمنية للحرب، ذلك هو الإطار الذي عاشته أوروبا بين الحربين العالميتين.
والقائمون على تصفية أوروبا النابليونية لهم الفضل بأنهم عرفوا كيف يقاومون اغراء صلح قائم على الانتقام، والفضل في ذلك يعود إلى المأخذ الذي يسجل على رجال الدولة أولئك. وهو عدم اهتمامهم بالضغوطات الشعبية. ومهما يكن من أمر فسعيهم لم يكن للانتقام ولا للقصاص، بل من أجل التوازن ومن أجل الشرعية، وبدلا من أن ينظروا إلى أي تغيير في الهيكليات الفرنسية كمكسب جانبي أو مجرد ترفيع، كان الزعماء السياسيون في حلف سنة 1814 مستعدين للقبول بنتائج الخرافة التي صنعوها بأنفسهم، وكشفت دبلوماسية مترنيخ الجلودة عن كل مقتضياتها، بعد أن كانت قد بدت غامضة وجبائية نظرا لسيطرة فكرة هزيمة العدو على أي اعتبار آخر في السابق. لقد تكلم الوزير النمساوي كثيرأ عن معركة تجري باسم التوازن بحيث انتفى أي أساس آخر للصلح الآن. فقد حرر الكثير من البيانات التي تؤكد بأن هذه الحرب غايتها جر نابليون إلى القبول بشروط معقولة وأن تجزئة فرنسا لم تكن واردة بصورة جدية أبدأ. وحدها بروسيا كانت تصرح بأن هذه الأمة هي أمة ضالة ولكن سرعان ما عادت بروسيا فخفضت لهجتها الحادة
كانت إدارة الحرب في جميع مراحلها مدروسة كما أن الإعداد لكل مناورة كان کاملا، وحتى ولو تحول الصراع إلى حرب شاملة، فإن ذلك لم يكن ملحوظ. والدخول في المجهول بتمهل من شأنه أن يبدد المخاوف والإغراءات. ذلك هو المعنى النهائي السياسة مترنيخ فيما بين 1813 و 1819.
وكذلك كان سلوك کاستلري، رائعة. كان هذا الأخير مثلا للامة التي ربما كانت أعدى أعداء نابليون ومع ذلك فإن رجل الدولة هذا أصبح أحد أشهر المدافعين عن