الصفحة 336 من 408

الإعتدال. لقد قاوم الإغراء بدخول باريس کمنتصر إلى جانب القيصر. والآن لم تعد إغراءات الأمن مطلبه ولا همه أبدأ. وقد مرت تصفية الحروب النابليونية بثلاث مراحل هي: تنازل امبراطور الفرنسيين، وتقرير مصيره بموجب معاهدة الصلح مع فرنسا. ثم بناء التوازن الأوروبي، ولم يكن المصير نابليون من تأثير مباشر على التوازن الأوروبي إلا أنه كان محك عقلية المتحالفين، ولم يكن القرن التاسع عشر الناشئ قد أصبح بعد بمستوى من يقارن بين مستوى انتصاره وبين وحشية الإنتقام المفروض على المغلوب. حتى رجل كستيوارت أمكنه يومئذ أن يكتب إلى كاستلري بأن سوء حظ نابليون بستحق الشفقة التي تتوجب على المسيحيين تجاه إخوانهم في الشقاء. ومن جهة ثانية مهما كانت معايب الفبصر فإن سلوكه لم يخل من شهامة. فهو الذي تفاوض مع كولنكورت حول اتفاقية فونتين بلو، وبموجب هذه المعاهدة يحتفظ نابليون بلقبه الامبراطوري، وتخصص له الدولة الفرنسية دخلا سنوية مقداره مليونا فرنك. وجعلت جزيرة البا مقاطعة مستقلة تعود ملكيتها إلى نابليون. أما الامبراطورة فقد أعطيت دوقية دوارم وروعيت أيضا احتياجات عائلة الأمبراطور وزوجته الأولى وحتى ابنه بالتبني أوجين دو بوهارنيه وكان نائب ملك على إيطاليا. ومن الناحية السيكولوجية لم تكن هذه المعاهدة كريمة کا تبدو لأول وهلة، فقد كانت ثقيلة الوطأة على قاهر أوروبا إذ جعلت منه مليكة في إيطاليا.

ولما ظهر کاستلري ومترنيخ أخيرا في باريس، كانت المفاوضات قد انتهت. وعبثا كان اختجاج النمساوي ضد إعطاء جزيرة ألبا إلى نابليون، نظرا لقربها الشديد من إيطاليا ومن فرنسا، بل أنه توصل ببعد نظره إلى التنبؤ بأنه خلال سنتين سوف تندلع الحرب من جديد. ولم يكن كاستلري راضية تماما هو أيضا. إذ كان من رأي ليفربول الذي يفضل وضع نابليون في مكان أنسب من جزيرة ألبا. وإنكلترا ليست مستعدة لأن تمنح نابليون المخلوع ما رفضته له وهو في أوج قوته. ونجح کاستلري في حصر مدة اللقب الامبراطوري بمدة حياة حامله. واعترف ببنود المعاهدة التي تتعلق بالتسوية الجغرافية فقط. وفي 16 نيسان توجه نابليون إلى منفاه. وانصرف الحلفاء بعدها إلى الإهتمام بالصلح مع فرنسا.

وكما هو الحال في كل مفاوضة انتهت ولم يبق إلا القاء بعض اللمسات الأخيرة على هيكلياتها المحددة تماما، قام کاستلري بالدور الأول. ولم يكن تأثيره پوما ما أكثر مما هو الآن. فهو الذي منع التحالف من التمزق، بالرغم من تردد الحلفاء، وهو الذي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت