الصفحة 340 من 408

كلما ماطل في الأمور، كلما تخلت بريطانيا عن الإهتمام بالحل النهائي. وكان ينتظر الكثير من زيارته المرتقبة إلى لندن، ولم يبق أمامه من خيار غير توقيع المعاهدة مع فرنسا. ورفض تسوية مسألتي بولونيا وسكسونيا. في هذه الأثناء وقعت معاهدة باريس. وبموجبها، تخلت فرنسا عن كل حق أو مطالبة بهولندا، وبلجيكا، والمانيا، وإيطاليا، وسويسرا ومالطا، وحصلت بريطانيا على المستعمرات التالية: توباغو، سانت لوسي، جزيرة فرنسا، واستولت إسبانيا على القسم الفرنسي من سانت دومنغ. ونص بند سري على استقلال المانيا وعلى تنظيمها بشكل كونفدراسيون. وبموجب بند سري آخر، اعترفت فرنسا بإلحاق بلجيكا هولندا. ونص بند ثالث على تحديد حدود النمسا في إيطاليا على مستوى شهر البر والبحيرة الكبرى (لاك ماجور) کا اعيدت توسكانة إلى آل هابسبورغ.

وكان کاستلري على حق حين اعتبر نفسه ناجحا، من جهة أن معاهدة باريس لا تعبر عن أي تدبير مسرف ضد فرنسا. ولم تكتف هذه بالإحتفاظ بحدودها القديمة، بل شمح لها، زيادة عن ذلك، بالتوسع باتجاه السافوا والبالاتينا، مضيفة حوالي ستمائة الف نسمة إلى سكانها. وأطلقت يدها في تحديد عدد قواتها المسلحة. فضلا عن ذلك أعادت بريطانيا أغلب المحطات الإستعمارية التي استولت عليها خلال الأزمة. أما تلك التي احتفظت بها فكانت ذات أهمية استراتيجية أكثر منها تجارية، حسب المعتقد السائد يومئذ. وباعتها هولندا مستعمرة الكاب، لقاء بناء نظام من القلاع كبدل جزئي، وبالمقابل أعطيت أمستردام الهند النيرلندية ذات القيمة المتدنية يومئذ. وسمح الباريس بالإحتفاظ بكنوزها، الفنية المجمعة خلال 20 سنة من الفتوحات. ولم يفرض عليها أية تعويضات مالية وهذا ما حمل كوك على الإحتجاج بالعبارة التالية: «من الصعب أن تمر المعاهدة إذا لم تجير فرنسا بالتعويض عن تخريب أوروبا وإذا توجب علينا وحدنا أن نمول حماية هذه القارة.

كان التوازن هو الطابع الغالب في معاهدة باريس القائمة على أن الإستقرار مرهون بانعدام التفسخ النهائي، وعلى أن فن الحكم لا يقوم على القصاص بل على الإستيعاب والإندماج، وغابت عن هذه المعاهدة خرافة الأمن المطلق التي تقصر هذا الأمن على وضع معالم حدودية والتي، وهي تحاول كبح دولة وحيدة، تتسبب في اختلال التوازن بين كل الدول الأخرى. وعندما أثار مبعوث جنيف مسألة المقتضيات الاستراتيجية ليطالب ببعض تعديلات في الحدود، أجابه کاستلري: «إن هذه الحجج

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت