الصفحة 352 من 408

وليس ذلك فقط بسبب صعوبة تحديد هوية المعتدي. وهو أي التوازن، أكثر من مستحيل إنه خيالي، لأن هذه الدول بالذات التي يعتبرها الأجنبي، كمجرد عوامل في معادلة الأمن، تعتبر داخل حدودها، وبالنسبة إليها مواطنيها كتعبير عن وجود تاريخي. فالإتفاق مهما بدا متوازنة ومهما بدا مضمونة، فإن أية دولة لا ترضى بأن ترتبط بميثاق يبدو مناقضة تماما للفكرة التي تكونها لنفسها عن نفسها. إن أية اعتبارات توازنية، لا يمكن مثلا أن تحمل بريطانيا على التخلي عن الحقوق البحرية، أو النمسا عن وضعها في المانيا، ذلك أن مفهومها اللعدالة، لا ينفصم عن هذه المطالب. هناك إذا نوعان من التوازن: توازن عام يجعل كل محاولة تقوم بها أية دولة أو مجموعة دول لفرض رأيها على غيرها، أمرة احتمالية. وتوازن خاص محدد العلاقات التاريخية المتبادلة فيما بين بعض الدول. والتوازن الأول غايته إبعاد شبح التصادم العام، والثاني هو شرط لتعاون دون اصطدام. وإذا من النادر أن ينبثق تنظيم دولي، من فكرة انسجام، حتى ولو تم الإتفاق حول الشرعية، فإن فكرة مقتضيات الأمن تتبدل تبعا لوظيفة الموقع الجغرافي والماضي التاريخي لكل من الدول المتصارعة. هذا الصراع حول طبيعة التوازن، عرف مؤتمر فيينا كيف يتغلب عليه لأن التنظيم الدولي الجديد الذي وضع المؤتمر أسسه، عرف كيف يبقى لمدة قرن تقريبا. والمشكلة التي كانت تواجه المتفاوضين لا يمكن ردها إلى خصومة بين الدول المحافظة وهي بريطانيا والنمسا من جهة وبين التوسعيين کروسيا وبروسيا من جهة ثانية، حتى يستطيع تاليران أن يفرك يديه من فرح» في الكواليس، ولا هي كذلك مطالب التوسعيين، ولا مقاومة أنصار الوضع القائم. إن توازن أوروبا، كان مهددة أيضأ بالمطامح الروسية في بولونيا، إلا أن علاقات القوة، في المانيا وحدها قد تغيرت بعد قيام بروسيا باستلحاق الساكس. وعندما تكلم کاستلري عن التوازن، فقد كان يتصور أوروبا منحررة من كل سيطرة ثابتة.

أما بالنسبة إلى مترنيخ، فالفكرة ذاتها تعني أيضا أن المانيا لا يمكن أن تكون محكومة من قبل بروسيا. وما يهم الإنكليز هو بناء أوروبا قوية إلى الحد الذي تصبح فيه قادرة على مقاومة كل اعتداء، سواء أتي من الشرق أم من الغرب. وكذلك كان حال النمساوي. ولكن هذا الأخير كان يهتم أيضأ بموقف بلاده بالنسبة إلى أوروبا الوسطى. وفي نظر کاستلري، تمثل دول القارة عناصر سياسة دفاعية. وترى هذه الدول، أن التوازن العام يكون بدون معنى إن هو حطم كيانها التاريخي أي مبرر وجودها بالذات. والتوازن براي کاستلري هو التعبير الميكانيكي عن علاقات القوى الدولية، إنه برأي دول القارة التوفيق بين مطامحها التاريخية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت