عليها التخلي عن كل تدخل خارج حدودها، أن تحاول تجميع دول الاستخدامها کرکيزة تدفع بها تحالفا موجها ضدها، ومن الطبيعي أيضا أن تعارض كل محاولة لنقل مرکز ثقل بروسيا إلى ألمانيا. إلا أن هذه الجهود لم تكن لتفيدها أبدأ، لو لم يكشف التهديد الذي تمثله فرنسا في نظر الدول الأخرى، بخطر أهم آت من الشرق، ولو لم تصبح الخلافات بين الحلفاء أعمق وأقوى من خوفها من فرنسا. فطالما ظل المتحالفون على اعتقادهم بأن الآلام والجهود المشتركة التي عانوها خلال الحرب هي المحرك نحو التسوية السلمية فإن تاليران سيظل عاجزأ. حتى إذا زال هذا الوهم أخذ الصراع، بعدها يدور حول حدود الصبر أو الإعتدال. وأصبح من المتعين على المتحالفين أن بعرفوا ما إذا كان من الواجب عليهم عدم الإهتمام بتأمين حليف من أجل الحفاظ على مظاهر التفاهم فقط، والجواب يقدمه المنطق الداخلي للوضع. إن فرنسا لم نتوصل إلى أن تكون شريكة في الشؤون الأوروبية، إلا بعد أن تبين للجميع أن ترتيب الأوضاع لا يمكن أن يتم بدونها
في الوقت الذي كان فيه الوزراء المفوضون مجتمعين في فيينا، لم يكن مجري الأحداث ليبدو واضحا في حينه. فقد ساد الإعتقاد بأن التسوية ستتم سريعة، وأن فرنسا ستكتفي بدور المتفرج، وأن باقي أوروبا ما عليه إلا أن يصادق على مستند معد دون كبير عناء .. لقد بدا، بكل تأكيد، أن بروسيا تطالب بالساکس وان روسيا تطالب ببولونيا، وأن النمسا ستدافع عن التوازن الألماني، وكاستلري عن التوازن الأوروبي، وأن تاليران سيحاول التدخل في شؤون أوروبا. وإن هذه الأوضاع يمكن أن تبدو متنافرة ومتناقضة، ولم يكن أحد ليشك في ذلك، على ما يبدو.
وخلال محاولة التوفيق بين النزعات القومية المتنافرة، مر مؤتمر فيينا بخمسة مراحل مختلفة: أ- مرحلة أساسية متخصصة بصورة جذرية للمسائل الإجرائية، وكان التحالف ضد فرنسا هو نقطة الإرتكاز. ب. ثم جهود کاستلري من أجل حل المسائل المهمة، وبصورة خاصة المسألة البولونية والمسألة السكسونية، وذلك باللجوء إلى القيصر بالذات، في البداية، ثم بمحاولة تكتيل الدول الأوروبية ضده فيها بعد. ج. محاولة مترنيخ، التكميلية بهدف فصل المسألة البولونية عن المسألة السكسونية، وخلق كتلة من الدول المتحدة بموجب اتفاق على المطالب التاريخية. د. تمزق التحالف المعادي لفرنسا وقبول تاليران في محادثات الحلفاء. ه. ثم التفاوض على التسوية النهائية.