الصفحة 36 من 408

اللعبة الدبلوماسية، سواء ما تعلق منها بالوسائل أم بالغايات. وهذا يقتضي أن يقبل مجموع الدول الكبرى بالبنيات الدولية القائمة. ويجب أن لا تصل أية دولة، على الأقل، إلى حالة من عدم الرضى الشبيهة بحالة المانيا عقب معاهدة فرسايل، فتترجم حقدها بسياسة خارجية ثورية، والنظام المعترف له بالشرعية، أن لم تنجه الشرعية من كل الحروب إلا أنها تحد من ثقل وطأتها عليه. فإذا اندلعت الحرب، فإنها تقام باسم المؤسسات القائمة. والسلم الذي يعقبها رب به على أنه ترجمة فضلى للموافقة العامة على هذه (الشرعية،، إن الدبلوماسية، في مفهومها الكلاسيكي، تقوم على تقريب وجهات النظر المختلفة، عن طريق المفاوضات. وهي لا يمكن أن تمارس، بحسب هذا التعريف، إلا في اطار نظام دولي معترف بشرعيته.

في كل مرة تتنكر أية دولة للظلم الذي يبدو لها ماثلا في المعادلة الدولية القائمة، او في مبرراتها، فإن علاقاتها مع الدول الأخرى ترتدي طابعة ثورية. فإذا كان الأمر كذلك، فإن النسويات الجارية في إطار المعادلة القائمة تصبح غير كافية، وعندها يصبح مصير هذه المعادلة مطروحة. ومع ذلك فالتسويات لا تكون مرفوضة لذاتها، بل لعدم كفايتها حين تتقلص فتصبح ألهيات تكتيكية. وعندها، لا بد من تمتين المواقع، قبل اللجوء المحتم إلى تجربة القوة. أو لا بد من زعزعة معنويات الخصم.

وقد يحدث كثيرة، في هذه المناسبة، أن يكون حافز الدولة الثورية، دفاعية، وان تكون مخلصة صادقة، عندما تعرب عن خوفها من الإعتداء عليها. وعلى كل تتميز الدولة الثورية، لا بخوفها هذا، الذي هو من صميم نظام العلاقات الدولية، القائم على سيادة الدول، بل بالخوف المطلق الذي يعتري قادتها وعندها يصبح للامن المطلق في نظرها، قيمة الضمان الكافي وهذا الأمن المطلق لا يقوم إلا على شل الخصم. وعلى هذا، فالأمن المطلق الذي تتوق إليه الدولة الثورية يترجم بعدم الأمن المطلق في نظر بقية الدول الأخرى.

في مثل هذا الإطار، لا يمكن للدبلوماسية المفهومة على أنها فن استعمال وسائل الضغط، بلباقة، أن تلعب دورها. واته لوهم الأفتراض القائل بأن الأمر يتعلق بالدبلوماسيين وأنهم وحدهم، قادرون على أن يضعوا حدا لأي صراع دولي، وذلك بالالتجاء الى حسن النية، والى و الرغبة في التفاهم .. وهذه الصفات او الإستعدادات ننكرها كل دولة على خصمها، خصوصا عندما يكون النظام الدولي ثورية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت